تبدأ السعادة حين يتحول الكلام إلى فعل، والفعل إلى سلوك، والسلوك إلى أثر ــ في عالمٍ تزدحم فيه الكلمات، وتكثر فيه الشعارات، وتتعدد فيه الوعود، لم تعد المشكلة في أن نقول ما هو جميل، وإنما في أن نعيش ما نقول.

فالكلمات قد تُقنع لحظة، والخطابات قد تثير المشاعر، والشعارات قد تجذب الانتباه، لكن الذي يبقى في ذاكرة الإنسان وضمير المجتمع هو ما يتحول من الكلام إلى ممارسة، ومن الفكرة إلى سلوك، ومن القناعة إلى أثر ــــ فليست قيمة الإنسان فيما يقوله عن نفسه، ولا في الصورة التي يحاول أن يصنعها بالكلمات، وإنما في الحقيقة التي تكشفها أفعاله.

قد يتحدث المرء طويلًا عن الصدق والعدل والإخلاص والانضباط والمسؤولية، ولكن السؤال الذي لا تستطيع الكلمات الهروب منه هو: هل يعيش الإنسان ما يقول؟

 ـــــ هنا تبدأ فلسفة التربية الحقيقية؛ فالتربية ليست أن نملأ العقول بالمعلومات، ولا أن نُكثر من المواعظ والتوجيهات، وإنما أن ننقل الإنسان من المعرفة إلى الممارسة، ومن الممارسة إلى السلوك، ومن السلوك إلى الشخصية، ومن الشخصية إلى الأثر حين ينتقل القول من اللسان إلى الحياة ــ الكلام بداية الطريق، لكنه ليس نهايته.

فالقيمة لا تولد كاملةً في الكلمات، وإنما تكتمل عندما تجد طريقها إلى الواقع Δ ــــ من القول إلى الفعل من السهل أن تقول: أنا أحب الخير، لكن ماذا فعلت من أجل الخير؟

ومن السهل أن تقول: أنا أؤمن بالعدل، لكن كيف تتعامل مع من يختلف عنك؟

ومن السهل أن تقول: أنا أحترم الوقت، لكن هل تلتزم بمواعيدك؟

ومن السهل أن تقول: أريد تربية جيل صالح، لكن هل يرى هذا الجيل في سلوكك نموذجًا لما تطلبه منه؟

وهنا تظهر قاعدة إنسانية وتربوية عميقة: ( الكلام يعلن القيم، أما الفعل فيثبتها) ولهذا جاء القرآن الكريم محذرًا من التناقض بين القول والعمل، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3) فالقرآن لا يريد للإنسان أن يكون صاحب خطاب جميل وسلوك مناقض، وإنما يريد أن تتحول القيم التي يؤمن بها إلى واقع يراه الناس في حياته Δ ـــــ من الفعل إلى السلوك ــــ فليس المهم أن تقول: أنا صادق، بل أن تكون صادقًا حين يكون الصدق مكلفًاـ ـــــ وليس المهم أن تقول: أنا عادل، بل أن تكون عادلًا حين يكون الانحياز أسهل ــــــ وليس المهم أن تقول: أنا أمين، بل أن تؤدي الأمانة حين لا يراك أحد ــــ وهنا يصبح الفعل شهادةً صامتة على حقيقة الإنسان ـــ من الفعل إلى السلوك... ومن السلوك إلى الشخصية لكن الإنسان لا تصنعه أفعاله العابرة، وإنما تصنعه الأفعال التي يكررها حتى تستقر في نفسه، فالفعل إذا تكرر أصبح عادة، والعادة إذا ترسخت أصبحت سلوكًا، والسلوك إذا استمر صار جزءًا من الشخصية، والشخصية حين تتفاعل مع الحياة تنتج أثرًا. * ـــ وهكذا يمكن اختصار المسار التربوي في سلسلة واحدة: فكرة ← فعل ← تكرار ← عادة ← سلوك ← شخصية ← أثر فالصدق الذي نمارسه باستمرار يصبح أمانة، والعدل الذي نلتزمه في تعاملاتنا يتحول إلى خُلُق، والانضباط الذي نكرره كل يوم يصبح عادة، والعطاء الذي نمارسه بوعي يتحول إلى جزء من شخصيتنا،وهنا تكمن إحدى أهم حقائق التربية: ـــ الشخصية لا تُبنى بما نقوله مرة، وإنما بما نفعله مرارًا فالطفل لا يتعلم الصدق من درسٍ عن الصدق بقدر ما يتعلمه من بيت يرى فيه الصدق ممارسة يومية، والمتعلم لا يتعلم احترام الوقت من محاضرة عن الانضباط بقدر ما يتعلمه من معلم يلتزم بمواعيده، والإنسان لا يتعلم المسؤولية من الأوامر بقدر ما يتعلمها حين يُمنح الثقة ويُطلب منه أن يتحمل نتائج اختياراته ولهذا فإن التربية الناجحة لا تسأل المتعلم فقط: ماذا تعرف؟

 بل تسأله السؤال الأهم: ماذا تفعل بما تعرف؟ Δ ــــــ الإسلام: إيمانٌ يمشي على الأرض وهذا المعنى ليس غريبًا عن التصور الإسلامي للإنسان؛ فالإسلام لا يفصل بين الإيمان والعمل، ولا بين العلم والسلوك، ولا بين العبادة والأخلاق. وقد تكرر في القرآن الكريم اقتران الإيمان بالعمل الصالح، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (البقرة: 277) فالإيمان ليس فكرةً مجردةً مستقرةً في الذهن، وإنما حقيقة تظهر آثارها في العمل والمعاملة والسلوك.

 ولهذا فإن العلم في المنظور الإسلامي ليس ترفًا معرفيًا، ولا غايةً منفصلة عن الحياة، بل هو مسؤولية تقتضي العمل.

وكلما ازداد الإنسان علمًا، ازدادت مسؤوليته عن تحويل علمه إلى إصلاح، ومعرفته إلى ممارسة، وقناعته إلى موقف.

ومن هنا تتضح معادلة تربوية عميقة: علم بلا عمل معرفة ناقصة، وقول بلا فعل خطاب بلا أثر، وتربية بلا قدوة مشروع مبتور. Δ ــــ القدوة... حين يصبح الإنسان رسالةً تمشي على الأرض إذا كان الفعل أصدق من القول، فإن القدوة أبلغ من التوجيه؛ لأن الإنسان لا يتعلم فقط مما يسمع، وإنما يتعلم - بدرجة أعمق - مما يرى ويتكرر أمامه.

 ولم يقدم القرآن الكريم النبي ﷺ بوصفه صاحب خطاب فحسب، بل قدمه نموذجًا حيًا للاقتداء: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21 ) وقد عبّرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن هذا المعنى في وصفها للنبي ﷺ بقولها: ( كان خُلُقُه القرآن) فلم يكن القرآن عنده نصوصًا تُتلى فحسب، وإنما كان منهج حياة وسلوكًا وممارسة وهنا تكمن عظمة التربية النبوية: لم يكن الرسول ﷺ يقول للناس فقط ماذا يفعلون، بل كان يجسد أمامهم كيف يفعلون وهذه هي القوة الحقيقية للقدوة؛ فالمتعلم قد ينسى كثيرًا مما يسمعه، لكنه يصعب عليه أن ينسى ما يراه متكررًا أمام عينيه إن الطفل الذي يرى أباه صادقًا يتعلم الصدق قبل أن يسمع تعريفه، والطالب الذي يرى معلمه منضبطًا يتعلم قيمة الوقت قبل أن يقرأ عنها، والإنسان الذي يعيش في بيئة يسودها الاحترام يتشرب الاحترام قبل أن يسمع عشرات المحاضرات عنه.

 إن السلوك الذي نراه قد يكون أبلغ من ألف نصيحة نسمعها * ـــ التربية فعلٌ قبل أن تكون قولًا من هنا نصل إلى قلب القضية التربوية: التربية فعل قبل أن تكون قولًا فالمربي لا يربي بكلامه وحده، وإنما يربي بطريقة تعامله، وبقدرته على ضبط انفعالاته، واحترامه للآخرين، وعدله بين المتعلمين، والتزامه بمواعيده، واعترافه بخطئه، واستعداده للتعلم والتطور، فإذا تحدث المعلم عن الصدق ثم مارس الكذب، فقد قدم درسًا عمليًا أقوى من كل مواعظه وإذا تحدث عن احترام الوقت ثم تأخر باستمرار، فقد علّم طلابه بالفعل أن الوقت أمر ثانوي، وإذا دعا إلى الحوار ثم أغلق باب النقاش، فقد رسّخ لديهم ثقافة الصمت بدل ثقافة الحوار، وإذا طالبهم بالقراءة والتعلم المستمر، بينما هو لا يطور نفسه، فقد أصبح سلوكه نقيضًا لرسالته لأجل ذلك فإن السؤال التربوي الأعمق ليس ــ ماذا نقول لأبنائنا وطلابنا؟ بل: ماذا يرون منا ونحن نقول لهم ذلك؟

فالمربي لا يستطيع أن يطلب من المتعلم أن يكون نسخةً أفضل منه، إذا كان هو نفسه لا يحاول أن يكون نموذجًا أفضل .......... ..... وللحديث بقية

 

 بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربو