الاستعراض الخطابي في هذا العصر كثر من يجيد الكلام، وقلّ من يجيد الإنجاز. كثر من يحسن القول، وقلّ من يحسن الفعل. كثر من يعد، وقلّ من يفي. فكأن أهم ما يشغل بعض مسؤولي الشركات اليوم هو الاستعراض الخطابي والوعود البراقة في الحفلات والمؤتمرات.

فما عليه إلا أن يلقي خطاباً رناناً يتحدث فيه عن إنجازات يدّعي أنه حققها، والحقيقة أنه لم يحقق منها شيئاً، ثم يعد بإنجازاتٍ يعلم في قرارة نفسه أنها لن ترى النور.

 كم من مؤسسات وشركات لم يطرأ عليها أي تحسن منذ سنوات، ومع ذلك إذا ألقى مديرها خطاب نهاية العام، جعل من الحبة قبة، وصوَّر الواقع وكأنه قصة نجاح استثنائية.

الإدارة الحقيقية تعني المسؤولية، واتخاذ القرار، وتحقيق النتائج، والمتابعة، وحل المشكلات على أرض الواقع.

 وليست خطابة، ولا اجتماعات طويلة بلا قرار، ولا كلمات كثيرة وشعارات جميلة تطرب لها الآذان، بينما يخلو الواقع من الإنجاز.

 وليست جدراناً تزدحم بالشعارات الفضفاضة، فيما تبقى المشكلات كما هي.

الإدارة الحقيقية تعني أن تملأ المؤسسة بإنجازات مشهودة، لا أن تملأ قاعة المؤتمرات بالتصفيق.

والخطاب في حد ذاته ليس عيباً، بل قد يكون من أهم أدوات القيادة إذا كان يوضح الرؤية، ويحفز العاملين، ويشرح الإنجازات، ويحدد الخطوات القادمة.

 لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخطاب إلى بديل عن العمل، وتصبح الكلمات ستاراً يخفي غياب الإنجاز.

ومن نتائج الاستعراض الخطابي إخفاء العيوب، وخلق الإحباط، وإضعاف الثقة بين الإدارة والعاملين.

 وكل ذلك أثر مؤقت ينتهي بانتهاء الخطاب. قد يصدقك الناس في البداية، لكنهم في النهاية سيدركون أنك لا تملك سوى الوعود.

ومع تكرار الوعود التي لا تتحقق، يستقبل الموظفون كل خطاب جديد بشيء من الشك، وربما السخرية؛ لأن الثقة لا تبنى بالخطب، وإنما تبنى بما يرونه من نتائج على أرض الواقع.

 الموظفون لا يقيسون المدير بما يقول، بل بما يتغير بعد كلامه. فقد ينسون الخطاب بعد أيام، لكنهم لن ينسوا قراراً أنصفهم، أو مشكلةً حلّت، أو بيئة عمل أصبحت أفضل.

كما أن الاستعراض الخطابي يستهلك وقت المؤسسة؛ فبدلاً من أن تصرف الساعات في معالجة المشكلات، تهدر في إعداد الكلمات والعروض والاحتفالات التي لا تضيف إلى الأداء شيئاً. قلل الكلام، وزد الفعل.

 فالإدارة الفاعلة تقلل الكلام وتزيد الإنجاز، وليس العكس. واجعل الوعد خطة. فوعود المدير يجب أن تكون مرتبطة بجدول زمني واضح، ومسؤوليات محددة، لا كلمات تُقال أمام الملأ ثم تُنسى في اليوم التالي.

وانزل إلى الميدان؛ فالإدارة ليست منصة للخطابة، بل مكتب، ومصنع، وميدان، وتقرير.

 ليس من الإدارة أن تخطب ساعتين ثم تعود إلى مكتبك مرهقاً من الكلام.

 وليس من القيادة أن ترفع سقف التوقعات ثم لا توفر أدوات تحقيقها.

 وليس من الإدارة أن يصفق لك الناس في القاعة، ثم يلعنون بيروقراطيتك في الممرات.

فالإنجاز لا يحتاج إلى ضجيج؛ فهناك مديرون لا يجيدون البلاغة، لكن مؤسساتهم تتحدث عنهم، وهناك آخرون يتقنون البلاغة، لكن مؤسساتهم تشكو منهم.

فاختر لنفسك: هل تكون خطيباً مفوهاً يتذكره الناس بوعوده الفارغة؟

 أم تكون قائداً يحتذى به كل يوم؟

فالقيادة لا تُقاس بطول الخطاب، بل بحجم الأثر الذي تتركه.

فالوعود تصنع التوقعات، أما الإنجاز فهو الذي يصنع الثقة.

 

بقلم د. عثمان فريد، أستاذ الإدارة بالجامعة