استكمالًا لما تناولناه في الجزء الأول، نقف اليوم عند: Δ ـــ من الأوامر إلى بناء الضمير إن التربية القائمة على الأوامر والعقوبات قد تصنع إنسانًا يطيع ما دام الرقيب حاضرًا، لكنها لا تضمن أن يختار الصواب حين يغيب الرقيب.

 أما التربية بالقدوة، فإنها تعمل في منطقة أعمق؛ لأنها لا تكتفي بضبط السلوك من الخارج، بل تُسهم في بناء الضمير من الداخل.

لذلك: ــــ لا تقل للطالب: كن منضبطًا؛ بل كن أنت منضبطًا أمامه ــــ ولا تقل له: احترم الآخرين؛ بل احترمه أولًا ــــــ ولا تقل له: كن صادقًا؛ بل كن صادقًا معه ـــــ ولا تقل له: تحمّل المسؤولية؛ بل امنحه مسؤوليةً حقيقية ــــ ولا تقل له: كن مبدعًا؛ بل افتح له مساحةً للسؤال والتجريب والاختلاف فالتربية العميقة لا تصنع إنسانًا يخشى العقوبة، وإنما تُنشئ إنسانًا يحترم القيمة حتى عندما لا يراقبه أحد وتنتقل التربية من الرقابة الخارجية إلى الرقابة الذاتية، ومن الطاعة المؤقتة إلى القناعة الراسخة، ومن الامتثال للأوامر إلى بناء الضمير. Δ ـــ حين يصبح السلوك لغةً صامتة ــــ هناك أمور لا يحتاج الإنسان إلى التصريح بها؛ لأن سلوكه ينطق بها ــــ فلا يحتاج الكريم إلى أن يعلن كرمه ــــ ولا يحتاج الصادق إلى أن يكرر صدقه ــــ ولا يحتاج الأمين إلى أن يكتب على نفسه: (أنا أمين ) ـــ ولا يحتاج المعلم القدوة إلى أن يخبر طلابه بأنه قدوة ــــ فالسلوك يتحدث بلغةٍ أصدق من الكلمات قد يستطيع الإنسان أن يرسم بالكلام صورةً جميلةً عن نفسه لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يحافظ عليها طويلًا إذا كانت أفعاله تناقض أقواله؛ لأن الزمن كفيل بكشف المسافة بين ما يدّعيه الإنسان وما يعيشه في واقعه.

ولهذا يكتب الإنسان سيرته بأفعاله قبل أن يكتبها بقلمه، ويترك صورته في ذاكرة الناس بما صنعه معهم، لا بما قاله عن نفسه.

 فالزمن لا يختبر صدق المبادئ بما نقوله عنها، وإنما بما نفعله حين تصبح المبادئ مكلفة أو صعبة.

 Δ ـــ من السلوك إلى الأثر... ومن الفرد إلى المجتمع ولأن السلوك لا يبقى حبيس صاحبه، فإن أثره يمتد إلى من حوله. فالمعلم المنضبط يؤثر في طلابه، والوالد الصادق يؤثر في أسرته، والمسؤول العادل يؤثر في مؤسسته، والقائد القدوة يؤثر في فريقه، والمواطن المسؤول يؤثر في مجتمعه وهكذا؛ فالفعل يصنع السلوك، والسلوك يصنع الشخصية، والشخصية تصنع الأثر، والأثر يصنع المجتمع.

ومن هنا فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ دائمًا بالشعارات الكبرى، بل قد يبدأ من تفاصيل صغيرة نمارسها كل يوم: أن نلتزم بالمواعيد، وأن نتقن أعمالنا، وأن نحترم الإنسان، وأن نقول الحق، وأن نعترف بالخطأ، وأن نؤدي الأمانة، وأن نجعل سلوكنا منسجمًا مع قيمنا فالأمم لا تتغير بالكلمات وحدها، وإنما تتغير عندما تتحول القيم من شعاراتٍ معلقة إلى ممارساتٍ يومية، ومن مبادئ مكتوبة إلى سلوكٍ اجتماعي، ومن أمنيات إلى مسؤوليات.

 Δ ـــ السعادة... حين يتصالح الإنسان مع نفسه ــــ ومن هنا نفهم جانبًا عميقًا من العلاقة بين السلوك والسعادة فالسعادة ليست مجرد امتلاك الأشياء، ولا كثرة المظاهر، وإنما هي ـ في جانبٍ كبير منها ـ انسجام داخلي بين ما يؤمن به الإنسان وما يفعله.

فعندما يقول الإنسان ما يؤمن به، ويفعل ما يقول، ويعيش وفق مبادئه، يشعر بطمأنينةٍ داخلية؛ لأنه لا يعيش بشخصيتين: شخصية يعرضها للناس، وأخرى يخفيها عنهم.

أما حين يعيش في حالةٍ دائمة من التناقض؛ يقول شيئًا ويفعل نقيضه، ويدعو إلى قيمة ثم يخالفها، ويُظهر للناس صورةً لا تشبه حقيقته، فإنه يعيش صراعًا داخليًا يستنزف طاقته ويُضعف معنى حياته.

ومن هنا يمكن القول: تبدأ السعادة الحقيقية حين يتصالح الإنسان مع نفسه، ويتحول ما يؤمن به إلى ما يفعله، وما يقوله إلى ما يعيشه.

 Δ ـــ أزمة التربية اليوم... حين تتسع المسافة بين الخطاب والممارسة لعل من أكبر أزمات التربية المعاصرة أنها لا تعاني نقصًا في الخطاب، بقدر ما تعاني اتساع الفجوة بين القول والعمل ـــ نحدّث أبناءنا عن التعاون، ثم نربيهم على التنافس المفرط ــــ نطالبهم بالتفكير، ثم نعاقبهم على السؤال ــــ نتحدث عن الإبداع، ثم نفرض عليهم نمطًا واحدًا من التفكير ــــ نطالبهم بالمسؤولية، ثم لا نمنحهم فرصة اتخاذ القرار ـــــ نتحدث عن احترام الإنسان، ثم نجعل الإهانة وسيلةً للتربية ــــ نريد منهم الحوار، بينما نربيهم على الصمت ـــــ نريد منهم الثقة، بينما لا نمنحهم فرصة التجربة وعندئذٍ ينفصل الخطاب التربوي عن الواقع، ويصبح ما يراه المتعلم أبلغ أثرًا مما يسمعه.

إن الجيل الجديد لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بقدر ما يحتاج إلى نماذج بشرية صادقة يرى فيها القيم التي نريد أن يتعلمها.

فالأب الذي يريد ابنًا قارئًا، عليه أن يكون قارئًا، والمعلم الذي يريد طالبًا متعلمًا، عليه أن يظل متعلمًا، والقائد الذي يريد فريقًا منضبطًا، عليه أن يكون أول المنضبطين فالقدوة ليست مرحلةً من مراحل التربية، بل هي جوهر التربية وروحها. 

Δ ـــ أيها المربي... ابدأ بنفسك ـــ إن أعظم درسٍ يمكن أن يقدمه المربي هو أن يبدأ بإصلاح نفسه

1 ـــ فإذا أردنا طالبًا قارئًا، فلنكن نحن قراء

 2 ـــ وإذا أردنا طالبًا منضبطًا، فلنكن نحن منضبطين

 3 ــــ وإذا أردنا طالبًا صادقًا، فلنكن نحن صادقين

4 ـــ وإذا أردنا طالبًا يحترم الآخرين، فلنبدأ نحن باحترامهم

 5 ـــ وإذا أردنا جيلًا مسؤولًا، فعلينا أن نمنحه الثقة والمسؤولية فالتربية ليست نقل التعليمات من الأعلى إلى الأسفل، وإنما هي بناءٌ إنساني يبدأ بالمربي، وينتقل إلى المتعلم، ثم يمتد أثره إلى الأسرة والمؤسسة والمجتمع.

 ولهذا، قبل أن نسأل أبناءنا وطلابنا: لماذا لا تتغيرون؟

 ينبغي أن نسأل أنفسنا أولًا: هل نحن النموذج الذي يستحق أن يُقتدى به؟

 Δ ـــ خلاصة القول... دع أفعالك تتحدث عنك أيها الإنسان، لا تُتعب نفسك بكثرة الحديث عن ذاتك؛ دع أفعالك تتحدث عنك .

لا تقل إنك تحب الخير؛ بل اصنعه.

ولا تقل إنك تحترم الناس؛ بل احترمهم.

 ولا تقل إنك تؤمن بالعدل؛ بل كن عادلًا .

 ولا تقل إنك تريد تربية جيلٍ صالح؛ بل كن أمامه نموذجًا للصلاح.

ولا تقل إنك صاحب رسالة؛ بل اجعل حياتك شاهدًا على رسالتك.

 فالكلام قد يلفت الانتباه، لكن الفعل يصنع الثقة، والسلوك يصنع الشخصية، والأثر يصنع البقاء.

Δ ـــ وفي التربية تحديدًا، تبقى الحقيقة الأعمق: * ـــ التربية فعلٌ قبل أن تكون قولًا * ـــ التربيثة قدوةٌ قبل أن تكون أمرًا * ـــ التربية ممارسةٌ قبل أن تكون موعظة ـــ التربية أثرٌ قبل أن تكون شعارًا* فإذا أردت أن تغيّر إنسانًا، فلا تبدأ بما تريد أن يسمعه منك، بل ابدأ بما تريد أن يراه فيك، وإذا أردت أن تبني جيلًا صالحًا، فلا تُكثر من الحديث عن الصلاح؛ بل اصنع أمامه نموذجًا حيًّا له، وإذا أردت أن تعرف حقيقة الإنسان، فلا تسأله فقط: ماذا تقول؟

 بل اسأله: ماذا تفعل عندما لا يراك أحد؟

 فهناك، في تلك المسافة الخفية بين القول والفعل، تتجلى حقيقة الإنسان، ويظهر صدق المبادئ من زيف الشعارات، ويتحول الإنسان من مجرد متحدث عن القيم إلى تجسيدٍ حيٍّ لها فدع أفعالك تتحدث عنك؛ فالأقوال قد تُنسى، والشعارات قد تتلاشى، أما الأفعال الصادقة فتترك أثرًا لا يمحوه الزمن.

 

 بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي