تُعدُّ مرحلة السابعة والثامنة والتاسعة من العمر من أهم المراحل التي يمر بها الطفل؛ فهي مرحلة انتقالية تتشكل فيها معالم شخصيته، وتتسع مداركه، وتتنامى قدراته العقلية والاجتماعية والانفعالية.
ويجمع المختصون في التربية على أن هذه السنوات تُعد من أكثر الفترات قابلية لغرس القيم، وبناء الأخلاق، وتنمية الإيمان، لما يتمتع به الطفل خلالها من استعداد كبير للتعلم والحوار واكتساب العادات.
في هذه المرحلة تزداد ثقة الطفل بنفسه، ويظهر ميله الواضح إلى الاستقلالية والاعتماد على ذاته، فيحرص على إنجاز المهام التي تُسند إليه، ويشعر بالفخر عندما ينجح في تحمل المسؤولية.
كما تتطور مهاراته في القراءة والكتابة والحساب، ويزداد وعيه الاجتماعي، فيحرص على اختيار أصدقائه، ويستمتع بالانضمام إلى الجماعات والأنشطة المختلفة، وتنمو لديه القدرات الحركية التي تمكنه من ممارسة الألعاب الرياضية، وركوب الدراجة، والمشاركة في المنافسات المدرسية.
ومن أبرز ما يميز هذه المرحلة أيضًا اتساع أفق التفكير؛ إذ يصبح الطفل أكثر ميلًا إلى النقاش وإبداء الرأي، ويطرح الأسئلة، ويحاول فهم ما يدور حوله.
ولذلك يصفها التربويون بأنها مرحلة ذهبية للحوار والتوجيه، حيث تكون الحصيلة اللغوية والمعرفية قد بلغت مستوى يساعد الطفل على استيعاب الأفكار والقيم بصورة أعمق. ومن أهم الاحتياجات التربوية في هذا العمر إرواء الشعور الديني، فهو شعور يبدأ بالنمو بصورة واضحة، ويظهر في حب الطفل للدعاء، والاستماع إلى القرآن الكريم، والذهاب إلى المسجد، والمشاركة في المناسبات الدينية، والاستماع إلى قصص الأنبياء والصالحين.
ومن هنا جاءت توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين»، وهو توجيه نبوي عظيم ينسجم مع خصائص هذه المرحلة العمرية، حيث يصبح الطفل أكثر استعدادًا لفهم معاني العبادة، والتأمل في عظمة الخالق سبحانه وتعالى.
ويشير عدد من المختصين في التربية إلى أن الطفل في هذا العمر يميل إلى التأمل والتفكر، وهي فرصة ثمينة ينبغي أن يستثمرها الوالدان والمربون. فبدل أن يقضي الطفل ساعات طويلة أمام الشاشات والأجهزة الإلكترونية، يمكن اصطحابه إلى الحدائق والمتنزهات، وتأمل جمال الطبيعة معه، وربط ذلك بعظمة الله تعالى.
فعندما يشاهد ورقة شجر تسقط، أو طائرًا يطعم فراخه، أو زهرة تتفتح، يجد المربي فرصة لغرس معاني الإيمان في قلبه، مستحضرًا قول الله تعالى: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾، فيتعلم الطفل أن قدرة الله وعلمه يحيطان بكل شيء.
كما أن هذه المرحلة مناسبة لغرس العقيدة الصحيحة، وتعليم الطفل أصول التوحيد، والطهارة، والصلاة، وتحفيظه ما تيسر من القرآن الكريم، وسرد قصص الأنبياء والصحابة، وقراءة مواقف من السيرة النبوية، اقتداءً بلقمان الحكيم الذي بدأ وصاياه لابنه بقوله تعالى: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾.
وليس المقصود من التربية الدينية في هذا السن الإكثار من الأوامر والعقوبات، بل المطلوب هو بناء علاقة محبة بين الطفل ودينه، حتى تصبح الطاعة جزءًا من شخصيته.
ولهذا يؤكد المختصون أن التربية الناجحة في هذه المرحلة تقوم على ست قواعد أساسية: أولها الحنان والرفق في التوجيه، وثانيها الثناء على كل عمل صالح يقوم به الطفل، وثالثها ربط العبادات بالذكريات الجميلة، ورابعها استخدام المكافأة والتشجيع لترسيخ السلوك الإيجابي، وخامسها تجنب الضغط والعقوبات القاسية في أمور العبادة، وأخيرًا القدوة الحسنة؛ فالطفل يتعلم مما يراه في والديه ومعلميه أكثر مما يتعلم من الكلام.
إن الطفل في السابعة والثامنة والتاسعة يملك قلبًا نقيًا، وعقلًا متفتحًا، وروحًا متعطشة للمعرفة والإيمان. فإذا أحسن الوالدان والمعلمون استثمار هذه المرحلة بالحوار، والرحمة، والقدوة الصالحة، نشأ الطفل قوي الإيمان، مستقيم السلوك، معتزًا بقيمه، قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بثقة ووعي.
ولعل أعظم ما يقدمه المربي لطفله في هذه السنوات ليس كثرة التوجيهات، وإنما أن يفتح له باب التعرف إلى الله تعالى، ويغرس في قلبه محبته، ويجعله يشعر بأن الدين رحمة، وأن العبادة سكينة، وأن الأخلاق الحسنة هي الطريق إلى رضا الله وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
بقلم: عبد الرزاق حسن طبر