في التحدي رجولة في الحياة صعاب، وفي الصعاب ما هو أصعب. فالإنسان ـ كما جرت سنة الله في خلقه ـ دائماً في كبد، من المهد إلى اللحد: «لقد خلقنا الإنسان في كبد».

 ولو رجع كل منا إلى ماضيه، رئيساً كان أم مرؤوساً، جاهلاً أم عالماً، صغيراً أم كبيراً، متذكراً ومراجعاً، لوجدها كلها أكباداً تترى: مرض وفقر، وديون وتهجير، وبطالة وإبعاد، وحاجات غير مشبعة، وآمال غير محققة... إلخ. إنها حياة كلها تذبذبات، من تذبذب إلى تذبذب، يصعب فيها الاستقامة والاستواء.

 لكن مع ذلك كله، ومن طبيعة الإنسان ـ وخاصة المسلم ـ أن يعيش بالأمل دائماً، فيرى غده خيراً من يومه: «والعاقبة للمتقين»

. غير أن هذه الآمال، إن لم يقترن بها تخطيط محكم وجهد مبذول لتحقيقها، غدت أوهاماً لا تطلعات. «إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً» و»كل نفس بما كسبت رهينة» في دنياها وآخرتها. وهذه الصعاب لا يتغلب عليها إلا من يتصدى لها ويتحداها.

ولن تكون الغلبة إلا للرجال، أصحاب المبادئ الصادقة، الصامدين في مواقفهم.

 وللتحدي صور شتى: منها تحد على مستوى الفرد، وآخر على مستوى المنظمة، وصور أخرى لسنا بصدد تناولها هنا .

فالتحدي على مستوى الفرد هو إثبات الذات مهما اشتدت الصعاب، وحل المشكلات مهما عظم حجمها، والارتقاء بالشخصية مهما اختلف نوعها، ثم تقييمها وتقويمها سعياً إلى عمل مثمر ومتميز.

 أتذكر في التسعينات، حين كنت مدرساً في مدرسة ابتدائية، أنه في إحدى الليالي، وأنا في الصف الأول، جاءني طالب للتسجيل.

 بدا لي كبير السن، حديث عهد بالمدينة. فساءلتني نفسي بهمس: لماذا يرهق هذا الطالب نفسه بالتعليم في هذا العمر وقد جاوز السن المعتاد؟

 نعم، كنت مخطئاً بهذا المفهوم التقليدي، فالعلم لا عمر له، ولكن هكذا حدثتني نفسي حينها.

 والشاهد أن هذا الطالب أكمل الابتدائية ثم الإعدادية ثم الثانوية ثم الجامعة، وهو اليوم مدرس حكومي متميز، وأخبرني قبل شهور أنه سيلتحق قريباً بالدراسات العليا.

لقد رأيته نموذجاً عظيماً صنع ذاته بذاته، وفهم معنى التحدي في مواجهة صعاب الحياة. نعم، في التحدي ومواجهة الحياة شجاعة ورجولة ـ إذا كان صاحبه على حق ـ لأنه إثبات للذات، وإدارة وقيادة، لما فيه من صبر وتحمل.

وأما التحدي على مستوى المنظمة فيكمن في مواجهة المنافسين بخط مدروسة، بعد إدراك للإمكانيات والقدرات، كي لا تموت المؤسسة في مهدها.

ويكمن أيضاً في السعي لبقائها واستمرارها بقرارات صعبة، وفي أن ينهض المدير بمؤسسته من الصغر إلى الكبر، ومن المحلية إلى الإقليمية، ثم إلى العالمية.

 وأما التحدي على مستوى الشعوب فيقتضي انتقالها من حالة الشكوى إلى حالة المشاريع، قوامها التكافل والإنتاج وتطوير المهارات.

 وتشهد تجارب اليابان وكوريا وسنغافورة أن الشعوب لا تنهزم بالصعاب، وإنما تنهزم حين تفقد إيمانها بنفسها وبوصلتها.

 

بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة