منذ أن عرف الإنسان الصراع، ظل السلاح العسكري رمزًا للقوة ووسيلةً لفرض النفوذ وحسم النزاعات. فعبر التاريخ، كانت المعارك تُخاض بالسيوف والرماح، ثم بالمدافع والطائرات والصواريخ، وبقيت القوة العسكرية عاملًا حاسمًا في رسم الحدود، وإسقاط الدول، وصناعة موازين القوى.

ولذلك ارتبطت القوة في أذهان كثير من الأمم بامتلاك السلاح، حتى أصبح القوي هو صاحب القرار، والآمر والناهي، وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة. ومع تطور وسائل القتال، ازداد الاعتقاد بأن الأمن لا يتحقق إلا بالقوة العسكرية، وأن الردع هو الضامن للاستقرار.

فالسلاح لا يزال قادرًا على حسم المعارك، وإرباك الخصوم، وفرض الوقائع الجديدة على الأرض. غير أن التاريخ لم يتوقف عند هذا الحد؛ فقد ظهر سلاح آخر لا يقل تأثيرًا عن البندقية، وإن اختلفت وسيلته.

إنه الإعلام، الذي انتقل من مجرد وسيلة لنقل الأخبار إلى قوة قادرة على صناعة الرأي العام، والتأثير في القرارات، وتوجيه المجتمعات، بل وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.

 لم يعد القلم حبيس دفاتر الطلاب وكتب المدارس، بل أصبح حاضرًا في الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون، والمنصات الرقمية، ومراكز صناعة القرار.

 وأصبح الإعلام اليوم جزءًا من معادلات القوة، وعنصرًا مؤثرًا في السياسة والاقتصاد والثقافة، حتى غدا من أهم أدوات التأثير في العلاقات الدولية.

وقد تجلت هذه الحقيقة بوضوح خلال الحربين العالميتين، ثم في سنوات الحرب الباردة، حين تحول الإعلام إلى ساحة مواجهة موازية لساحات القتال.

فقد استخدمته الدول في تعبئة الشعوب، ورفع معنويات الجيوش، وإضعاف الخصوم، وبث الرسائل السياسية والنفسية، حتى أصبحت الإذاعات والصحف والقنوات جزءًا من منظومة الحرب نفسها.

 ولم يكن الهدف تحقيق انتصار عسكري فحسب، بل كسب العقول والقلوب.

 فالحرب النفسية كانت تسعى إلى زعزعة ثقة الشعوب بقياداتها، وإرباك الخصوم، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، وهو ما جعل الكلمة والصورة والخبر أدوات لا تقل خطورة عن الرصاصة.

 ولم ينتهِ دور الإعلام بانتهاء الحروب، بل ازدادت أهميته في مرحلة ما بعد الصراع.

 فأصبح شريكًا في كتابة الرواية التاريخية، ورسم صورة المنتصر والمهزوم، وتشكيل ذاكرة الشعوب. فالمنتصر يسعى إلى توظيف الإعلام لإبراز شرعية انتصاره، بينما يحاول الطرف الآخر تقديم روايته للأحداث، وإبراز معاناته، بما يحفظ قضيته في وجدان شعبه، وربما يزرع في الأجيال القادمة مشاعر الغضب والرغبة في استعادة الحقوق.

ولهذا تُعد وسائل الإعلام اليوم من أهم أدوات التأثير في الوعي الإنساني، فهي قادرة على بناء الثقة كما تستطيع نشر الشائعات، وترسيخ الحقائق كما قد تُسهم في تزييفها. 

ويُستشهد في هذا السياق بالمقولة المنسوبة إلى وزير الدعاية الألماني جوزيف غوبلز: «إذا كذبت كذبة كبيرة وكررتها باستمرار، فسيصدقها الناس.» وهي مقولة تُبرز خطورة التكرار الإعلامي في تشكيل القناعات.

كما تُستشهد بعبارات منسوبة إلى ونستون تشرشل للدلالة على أن إدارة المعلومات كانت جزءًا أساسيًا من إدارة الحروب.

ورغم أن السلاح العسكري يترك آثارًا مادية واضحة، فإن الإعلام قد يترك آثارًا أعمق وأطول عمرًا.

فالرصاصة قد تنهي معركة، أما الكلمة فقد تُغيّر قناعة، وتصنع موقفًا، وتبني أمة، أو تهدم مجتمعًا بأكمله. 

ولذلك فإن احتلال العقول قد يكون أقل تكلفة وأكثر دوامًا من احتلال الأرض.

ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الإعلام باعتباره أداة للهدم فقط، فهو سلاح ذو حدين. فإذا استُخدم بصدق ومسؤولية، كان وسيلة لنشر الوعي، وتعزيز الوحدة، وترسيخ القيم، والدفاع عن الحقائق. 

أما إذا أسيء استخدامه، فقد يصبح أداة للتضليل، وإثارة الفتن، وتعميق الانقسامات.

ومن هنا، فإن الإعلامي يحمل مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الجندي؛ فإذا كان للجندي بندقية وذخيرتها الرصاص، فإن للإعلامي قلمًا وذخيرته الكلمة. 

وكما أن الرصاصة قد تحمي وطنًا أو تدمره، فإن الكلمة قد تبني أمة أو تهدمها.

وفي زمن تتداخل فيه الحروب العسكرية مع الحروب الإعلامية، لم يعد الانتصار مرهونًا بمن يمتلك السلاح الأقوى فحسب، بل أصبح أيضًا لمن يمتلك الرواية الأكثر تأثيرًا، والخطاب الأكثر إقناعًا، والقدرة على الوصول إلى العقول قبل الوصول إلى الميادين.

 فالمعركة قد تبدأ بالبندقية، لكنها كثيرًا ما تُحسم بالكلمة.

 

 بقلم : حسن علي وابري