لا يُعدّ المنهاج التعليمي مجرد وثيقة تنظيمية تُحصي المقررات الدراسية، أو جدولًا إداريًا يوزّع الخبرات التعليمية عبر سنوات الدراسة، بل هو، في جوهره العميق، رؤية فلسفية متكاملة تعكس تصوّر المجتمع للإنسان، وللعلم، وللحياة، وللمستقبل الذي يسعى إلى بنائه.

 فالمنهاج، قبل أن يكون خطة لتدريس المعارف، هو هندسة فكرية ترسم مسار تكوين الإنسان، وتحدّد ملامح الشخصية التي يريد المجتمع أن يراها في أبنائه بعد عقدٍ أو عقدين من الزمن.

 وهذا ما يجعل النظر إلى المنهاج بوصفه أداةً تقنيةً محضة قصورًا معرفيًا يُفرغه من غايته الكبرى، ويحوّله من مشروع تكوين إلى مجرد جدول توزيع حصص يكتسب مصطلح «المنهاج» بعدًا حضاريًا عميقًا يتجاوز دلالته التربوية الحديثة؛ إذ يدل في أصله اللغوي على «الطريق الواضح «، الذي لا التباس فيه ولا اعوجاج.

وقد ورد اللفظ في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، في إشارة بليغة إلى وجود طريق منظم مرسوم يهدي الإنسان في بناء حياته وفق منظومة متكاملة من القيم والتشريعات، لا يُترك فيها السالك لهواه، ولا يُساق فيها العقل بلا بوصلة ومن هذا المنطلق اللغوي والقرآني، يمكن النظر إلى المنهاج التعليمي بوصفه امتدادًا طبيعيًا لفكرة «التنظيم المقصود» التي يحملها اللفظ في أصله؛ فكما أن المنهاج الشرعي طريقٌ يهدي إلى غاية، فإن المنهاج التربوي طريقٌ يهدي إلى إنسانٍ منشود.

ولا تتحقق فاعلية هذا الطريق إلا حين تنسجم مكوناته جميعها—من أهداف ومحتوى واستراتيجيات وتقويم—مع منظومة القيم التي تحكم المجتمع وتصوغ هويته، فينشأ بذلك انسجام عضوي بين المنهاج بوصفه أداة تربوية، والمنهاج بوصفه مفهومًا حضاريًا يحمل معنى الهداية والوضوح والاستقامة Δ ــــــ وأمام هذا التصور ينبثق في ذهني سؤال فلسفي جوهري: ما الفلسفة الكامنة وراء بناء المنهاج التربوي؟

 ـــــ إن الفلسفة الكامنة وراء بناء المنهاج لا تبدأ بالسؤال الإجرائي البسيط: ماذا نُعلِّم؟

 وإنما تبدأ بالسؤال الأعمق والأخطر: أيُّ إنسان نريد أن نصنع؟ ولماذا نصنعه؟

فهذا السؤال هو الأصل الذي تتفرّع عنه سائر الأسئلة التربوية الأخرى؛ إذ إن الإجابة عنه هي التي تحدّد طبيعة الأهداف التربوية ومستوياتها، وتوجّه عملية اختيار المحتوى وتنظيمه، وترسم استراتيجيات التدريس الملائمة، وتصوغ أساليب التقويم وأدواته، بل تمتد لتحدّد طبيعة العلاقة بين المعلم والمتعلم: أهي علاقة تلقين وتبعية، أم علاقة حوار وبناء مشترك للمعرفة؟

 ولذلك فإن كل عنصر من عناصر المنهاج—الأهداف، والمحتوى، والطرائق، والوسائل، والتقويم—يمثل ضلعًا من أضلاع هيكل متكامل متماسك، تربط بينه علاقات عضوية دقيقة، لا علاقات جوارٍ شكلي. وأيّ خلل يصيب أحد هذه الأضلاع، سواء بالتناقض مع الفلسفة العامة أو بالانفصال عنها، ينعكس حتمًا على كفاءة البناء بأكمله، ويُحدث شرخًا يمتد أثره من الصف الدراسي إلى المجتمع بأسره ـــــ قد يكون التشريع التربوي يؤدي دورًا مماثلًا لدور الأساس في البناء المعماري؛ فهو الذي ينظم العلاقة بين عناصر المنهاج، ويضبط التفاعل بينها، ويضمن انسجامها الداخلي، بحيث تتحول العملية التعليمية من مجموعة أجزاء متفرقة إلى منظومة متكاملة متناغمة تسير في اتجاه واحد نحو غاية واحدة. فالمنهاج، في هذا التصوّر، ليس تجميعًا عشوائيًا للمواد الدراسية يمكن أن يُضاف إليها أو يُحذف منها دون أثر يُذكر، وإنما هو نسق فكري حيّ تتفاعل فيه القيم والمعارف والمهارات والاتجاهات والوجدانات، في علاقة تكاملية دقيقة، لتحقيق غاية إنسانية وحضارية أسمى من مجرد نقل المعلومة ـــــ وتتجلى أهمية هذا التشريع في كونه الضامن لاستمرارية الرؤية الفلسفية عبر تعاقب الأجيال والقيادات التربوية؛ فبدونه تتحول التطويرات التربوية إلى اجتهادات متفرقة، تتبدل بتبدل الأشخاص القائمين عليها، وتفقد المنظومة التعليمية بذلك أهم شرط من شروط نجاحها: الثبات على الغاية مع المرونة في الوسيلة ــــــ إن السؤال الفلسفي الحقيقي في ميدان التربية ليس: كيف نبني المنهاج؟ فهذا سؤال إجرائي تقني يمكن أن تُجيب عنه كتب المناهج وأدلة التطوير.

. وإنما السؤال الأعمق هو: ما الفلسفة التي ينبغي أن يقوم عليها هذا البناء؟

 فإذا غابت هذه الفلسفة، أو تشوّشت رؤيتها، أصبح المنهاج—مهما بدا متقنًا في شكله الظاهري—مجرد معلومات متناثرة، تُحفظ ولا تُفهم، وتُختبر ولا تُستدخل، ويغيب عنها الأثر التكويني العميق في شخصية المتعلم. ــــ أما إذا حضرت الرؤية الفلسفية الواضحة، بأسئلتها الوجودية والقيمية الكبرى، فإن المنهاج يتحول من وثيقة إجرائية إلى مشروع حضاري بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ مشروع يصنع الإنسان القادر على التفكير الناقد، والإبداع المنتج، وتحمّل المسؤولية، والمشاركة الفاعلة في نهضة مجتمعه وأمّته.

وبهذا يصبح المنهاج أداة لصناعة الوعي لا لحشو الذاكرة، وأداة لتحرير العقل لا لتقييده. ــــ ومن ثمّ، فإن نجاح أي إصلاح تعليمي لا يُقاس بكمية المناهج المطوَّرة، ولا بعدد الوثائق المُحدَّثة، ولا بحداثة الوسائل التعليمية المستخدمة وتطور تقنياتها، فهذه كلها مؤشرات شكلية قد تخدع الناظر عن جوهر الإصلاح الحقيقي.

 وإنما يُقاس النجاح الحقيقي بمدى وضوح الفلسفة التي يقوم عليها المنهاج، وقدرة هذه الفلسفة على تحقيق التوازن الدقيق بين المعرفة والقيم، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين متطلبات الهوية الحضارية واستحقاقات المستقبل المتجدد ـــــ فالتوازن بين الأصالة والمعاصرة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لأمة تريد أن تحافظ على هويتها وهي تتفاعل مع عالم متغير سريع الإيقاع؛ إذ إن الانغلاق على الأصالة دون انفتاح على المعاصرة يُنتج جمودًا معرفيًا يُقعد الأمة عن اللحاق بركب التطور، بينما الانبهار بالمعاصرة دون تجذّر في الأصالة يُنتج جيلًا مقتلَع الجذور، تائهًا بين هويتين، لا هو ماضٍ راسخ ولا هو حاضر واثق خلاصة القول: هذه الرؤية تبدأ بالسؤال وهو: لماذا نُدرِّس؟

 وهو سؤال يتجاوز حدود المحتوى والمقرر الدراسي ليبحث في الغايات الكبرى للتربية ورسالتها. فالمنهاج في جوهره ليس كتابًا يُدرَّس، ولا مقررًا يُختبر فيه المتعلم عند نهاية الفصل الدراسي، بل هو رؤية تربوية وحضارية تحدد صورة الإنسان الذي نريد بناءه، ونوعية المجتمع الذي نتطلع إلى تشييده.

 ومن هنا ينبغي لكل إنسان أن يتأمل في كيفية بناء منهاج حياته؛ لأن المنهاج الحقيقي ليس ما يُكتب على صفحات الكتب، وإنما ما يُغرس في العقول من معارف، وما يُبنى في النفوس من قيم، وما يُنمَّى في السلوك من مهارات وكفايات.

فالمنهاج، في نهاية المطاف، أداة لصناعة الإنسان قبل أن يكون وسيلة لنقل المعرفة، ومن خلاله تتشكل الشخصية الإنسانية في أبعادها المعرفية والوجدانية والمهارية، وتتحدد ملامح المستقبل الذي تتجه إليه الأمم.

وإذا كانت عظمة الأمم تُقاس بما تُنجزه من عمرانٍ وحضارةٍ مادية ظاهرة، فإن الأساس العميق لتلك الحضارة يكمن فيما تصنعه من عقول قادرة على التفكير والإبداع، ونفوس راسخة في القيم والاستقامة، وإرادات واعية تمتلك القدرة على النهوض بمسؤوليتها الحضارية.

فبقدر ما تنجح الأمة في بناء منهاج يجيب عن سؤال «لماذا نُدرِّس؟»، بقدر ما تنجح في صناعة مستقبلها والإسهام في خدمة الإنسانية جمعاء منهجيّات... زاويةٌ تُضيء لك عالمَ المناهج وطرائق التدريس

 

 بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي