في قاموس التربية وطرائق التدريس، تُعدّ الأمثال والتشبيهات من أرقى الأساليب التعليمية التي تُسهم في تقريب المعاني المجردة إلى الأذهان، وتحويل المفاهيم النظرية إلى صور محسوسة يسهل إدراكها واستيعابها واستحضارها. فالإنسان لا يتعلم بالكلمات والمفاهيم المجردة وحدها؛ إذ كثيرًا ما تكون الصورة أقدر على تثبيت المعنى في الذاكرة، وأعمق أثرًا في الوجدان، وأشد قدرة على تحويل المعرفة إلى موقف وسلوك.

وقد أدركت التربية الحديثة أهمية التمثيل والتشبيه في العملية التعليمية، لما لهما من قدرة على الربط بين المحسوس والمجرد، والمعرفة والخبرة، والفكرة والصورة.

 غير أن القرآن الكريم قدّم هذا الأسلوب التعليمي والبياني في أرقى صوره وأبلغها؛ فالمتدبر في كتاب الله يجد الأمثال القرآنية وسيلةً لتقريب الحقائق، وإيقاظ العقول، وتحريك القلوب، وترسيخ القيم، وتحويل المعاني الكبرى إلى مشاهد حية تستقر في النفس ومن أجمل الأمثال القرآنية وأعمقها دلالةً ذلك المثل الذي ضربه الله تعالى في سورة إبراهيم، حين شبّه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، في صورة قرآنية تختصر في دقائقها معاني الثبات، والنمو، والعطاء، والاستمرار، والأثر.

قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: 24-25 ) وسأقتصر في هذه الإضاءة على الشجرة الطيبة بوصفها نموذجًا تربويًا وإنسانيًا، على أن يكون الحديث عن الشجرة الخبيثة في إضاءة لاحقة، بإذن الله Δ ـــــ الشجرة الطيبة... كصورة الإنسان الذي ينفع ولا يضر تخيّل شجرةً طيبةً راسخةً في الأرض، ضاربةً جذورها في أعماقها، ثابتةً أمام تقلبات الفصول، لا تقتلعها الرياح العارضة، ولا تهزّها العواصف العابرة.

 ثم انظر إلى فروعها كيف تمتد إلى السماء، وأوراقها كيف تتفتح، وثمرها كيف ينضج، وظلها كيف يمتد إلى كل من يقترب منها. إنها لا تسأل من يستظل بظلها عن اسمه أو لونه أو نسبه أو مكانته؛ ولا تفرّق بين عابر سبيل وآخر، ولا تشترط على من يأكل من ثمرها أن يرد لها الجميل.

إنها تؤدي وظيفتها في صمت، وتمنح خيرها باستمرار، وتترك أثرها في المكان دون ضجيج. وهنا تكمن روعة المثل القرآني: الشجرة الطيبة ليست مجرد شجرة جميلة، وإنما هي نموذج متكامل للثبات والنمو والعطاء والأثر.

وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان المؤمن، وهكذا ينبغي أن يكون المربي بوجه خاص: ثابت المبادئ، راسخ القيم، سامي الهمة، متجدد العطاء، كثير النفع، حسن الأثر.

فهو لا يعيش لنفسه وحدها، وإن كان له حق في أن يعيش لنفسه؛ بل يجعل من حياته رسالة، ومن علمه نفعًا، ومن عمله أثرًا، ومن أخلاقه قدوة، ومن وجوده إضافةً إلى حياة الآخرين.

 أولًا: «أصلها ثابت»... الجذور قبل الفروع أول ما يلفت النظر في المثل القرآني أن الله تعالى بدأ بالحديث عن الأصل قبل الحديث عن الفرع ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾: وهذه إشارة تربوية بالغة الأهمية؛ فكل بناء عظيم يبدأ من الداخل قبل أن يظهر أثره في الخارج؛ فالشجرة لا تستطيع أن تحافظ على فروعها إذا كانت جذورها ضعيفة، وكذلك الإنسان لا يستطيع أن يحافظ على نجاحه ومكانته إذا كانت أصوله الفكرية والأخلاقية والروحية مضطربة.

وفي المجال التربوي، لا تكفي كثرة المعلومات، ولا قوة الحضور، ولا مهارة الإلقاء، ولا جمال الخطاب، إذا لم تستند إلى منظومة راسخة من القيم والمبادئ والأمانة المهنية.

قد ينجح المعلم في تقديم درس جذاب، لكنه لا يكون بالضرورة مربّيًا ناجحًا.

 وقد يمتلك الإنسان علمًا واسعًا، لكنه لا يكون بالضرورة صاحب أثر.

فالمعرفة إذا لم تُحط بسياج الأخلاق قد تتحول إلى أداة بلا روح، والمهارة إذا لم تسندها القيم قد تتحول إلى أداء بلا رسالة، ومن هنا، فإن التربية الحقيقية تبدأ من بناء الجذور: بناء الضمير، وترسيخ القيم، وتنمية المسؤولية، وتعميق الإحساس بالرسالة، ثم يأتي بعد ذلك بناء المهارات والمعارف.

ثانيًا: «وفرعها في السماء»... الطموح الذي يتجاوز الذات بعد ثبات الأصل، يقول تعالى: ﴿ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ فالثبات لا يعني الجمود، والرسوخ لا يعني الانغلاق، والتمسك بالأصول لا يتعارض مع النمو والتطور.

إن الشجرة الطيبة تجمع بين أمرين متلازمين: جذور راسخة وفروع ممتدة وهذه معادلة تربوية مهمة؛ فالمربي الناجح هو الذي يجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح على التطور، وبين الأصالة والتجديد، وبين رسوخ القيم وتحديث الوسائل فلا ينبغي أن يكون التمسك بالأصول ذريعة لرفض التطور، كما لا ينبغي أن يكون التجديد ذريعة للتفريط في الثوابت والمعلم الذي يتوقف عن التعلم يبدأ، في الحقيقة، رحلة التراجع ولو ظلّ واقفًا في مكانه إن المربي الذي يريد أن يربي جيلًا جديدًا لا يستطيع أن يعيش بعقلية الأمس وحدها؛ بل عليه أن يطور معارفه، ويجدد طرائقه، ويستفيد من المستجدات التربوية والتقنية، ويظل في حالة تعلم مهني مستمر وهنا يصبح قول الله تعالى: ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ صورةً بديعةً للطموح التربوي الذي لا يكتفي بما وصل إليه، وإنما يتطلع دائمًا إلى الأفضل.

ثالثًا: «تؤتي أكلها كل حين»... قيمة الاستمرارية ثم تأتي الثمرة: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ وهنا ينتقل المثل من الثبات والنمو إلى العطاء والأثر فالشجرة الطيبة لا تعيش لنفسها؛ وإنما يُقاس خيرها بما تمنحه من ثمر وظل وجمال ونفع.

 وكذلك الإنسان النافع، لا تُقاس قيمته بما يملك فحسب، وإنما بما يمنحه للآخرين من علم وخبرة وخلق ومساندة وإصلاح.

وفي التربية على وجه الخصوص، لا ينبغي أن يكون العطاء موسميًا، ولا أن يرتبط بالمصلحة أو بالمدح أو بالمنصب.

فالمعلم الحقيقي يعطي حين يُراقَب وحين لا يُراقَب، ويخلص حين يُشكر وحين لا يُشكر، ويزرع الخير ولو لم يرَ ثماره عاجلًا وقد لا يعرف المعلم حجم الأثر الذي تركه في نفوس طلابه؛ فقد تكون كلمة قالها في لحظة عابرة قد غيّرت مسار حياة طالب، وقد يكون تشجيع بسيط قد أعاد الثقة إلى نفس محبطة، وقد يكون موقف أخلاقي صادق قد أصبح نموذجًا يُحتذى به بعد سنوات.

وهذه هي طبيعة الأثر التربوي: قد يغيب صاحبه، ويبقى أثره رابعًا: الشجرة الطيبة لا تستعرض ثمرها... بل تقدمه ومن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من صورة الشجرة أنها تعطي دون ضجيج فالشجرة لا تنادي الناس قائلة: انظروا إلى ثماري، ولا تعلن في كل صباح عن مقدار ما قدمته، ولا تنتظر من كل من استظل بظلها أن يشكرها وهكذا يكون العمل التربوي الحقيقي ليس كل عطاء يحتاج إلى إعلان، وليس كل إنجاز يحتاج إلى تصفيق، وليس كل خير يحتاج إلى منصة إن بعض أعظم المعلمين أثرًا هم أولئك الذين يعملون بعيدًا عن الأضواء، ويصنعون النجاح في هدوء، ويتركون في نفوس طلابهم من القيم والمعارف ما لا يظهر في تقارير الإنجاز ولا في سجلات التكريم فالعمل التربوي الناضج لا يبحث دائمًا عن صورة الإنجاز، وإنما يبحث عن أثر الإنجاز والفرق كبير بين من يريد أن يُرى، ومن يريد أن ينفع خامسًا: من الشجرة إلى المعلم... من الثمر إلى الأثر ولعل أعظم ما يحتاج إليه واقعنا التربوي اليوم هو صناعة هذا النموذج: ــــ معلم كشجرة طيبة ـــــ مربٍّ كشجرة طيبة ــــ أب وأم كشجرة طيبة، ــــ قائد كشجرة طيبة، ــــ مؤسسة تعليمية كشجرة طيبة معلم جذوره في العلم والقيم، وفروعه في التجديد والتطوير، وثمره في عقول المتعلمين وشخصياتهم.

ومربٍّ لا يكتفي بنقل المعلومات، وإنما يغرس المبادئ، ويصنع الدافعية، ويوقظ الطموح، ويعزز الثقة، ويربي على المسؤولية. وأب وأم لا يكتفيان بتوفير حاجات أبنائهما المادية، بل يزرعان فيهم الأخلاق والرحمة والصدق والاعتماد على النفس.

وقائد لا يجعل السلطة غاية، وإنما يجعلها وسيلةً لخدمة الناس، وبناء المؤسسات، وإطلاق الطاقات، وتحقيق الصالح العام.

فالأمم لا تنهض بكثرة الأبنية وحدها، ولا بكثرة الشهادات وحدها، ولا بكثرة المناصب؛ وإنما تنهض بكثرة الأشجار الطيبة التي تغرس العلم، وتنشر القيم، وتصنع الإنسان، وتورث الخير، وتترك بعد رحيلها أثرًا لا يذبل .................. وللجديث بقية

 

 بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي