تُعد مرحلة السابعة والثامنة والتاسعة من العمر من أهم المراحل في تكوين شخصية الطفل وبناء مستقبله؛ فهي المرحلة التي تتفتح فيها القدرات، وتنمو فيها المواهب، وتتشكل الملامح الأولى للشخصية.
ويجمع التربويون على أنها مرحلة حاسمة، إذ يمتلك الطفل خلالها استعدادًا كبيرًا للحوار، وسرعة في اكتساب المهارات، وقدرة على إتقان كثير من الأنشطة، كما تزداد ثقته بنفسه، ويقوى ميله إلى الاستقلالية وتحمل المسؤولية، ويرتقي مستوى فهمه وإدراكه، ويظهر نضجه الاجتماعي والمعرفي، وينمو شعوره الديني بصورة أكثر وضوحًا.
غير أن هذه المرحلة، على أهميتها، قد تتعرض لعوامل تربوية خاطئة تُضعف مواهب الطفل، وتحد من قدراته، بل وربما تهدم شخصيته من حيث لا يشعر الوالدان.
وقد أشارت كتب التربية وعلم النفس إلى عدد من الممارسات التي ينبغي الحذر منها؛ لأنها تُفسد أكثر مما تُصلح، وتُعوق نمو الطفل النفسي والفكري والاجتماعي.
ومن أخطر هذه الممارسات الضرب المهين، الذي يلجأ إليه بعض الآباء أو الأمهات عند غضبهم من خطأ ارتكبه الطفل. ويؤكد المختصون أن الإهانة والعنف لا يصنعان طفلًا صالحًا، بل يزرعان الخوف، ويضعفان الثقة بالنفس، ويغلقان أبواب الحوار بين الأب وولده.
لذلك ينصح الخبراء بأن تُستبدل العقوبة العنيفة بأساليب تربوية أكثر أثرًا، مثل الحوار الهادئ، والحرمان المؤقت من بعض الامتيازات، والتوجيه غير المباشر، أو أسلوب الإقصاء المؤقت المعروف بـ«وقت التهدئة»، الذي يمنح الطفل فرصة لمراجعة سلوكه بعيدًا عن الانفعال.
وعند الحاجة إلى العقوبة، فإنها ينبغي أن تكون آخر وسائل التربية، وبعد استنفاد النصح والتوجيه، مع الالتزام بالضوابط الشرعية والتربوية، بعيدًا عن الانتقام والغضب والإذلال. وقد أحسن الدكتور حسان شمس باشا حين أكد في كتابه كيف تربي أبناءك في هذا الزمان أن الضرب ليس وسيلة للعقاب، وإنما هو آخر وسائل التأديب، ولا يُلجأ إليه إلا في أضيق الحدود، مع مراعاة كرامة الطفل ومشاعره.
ولعل ما قاله الإمام ابن خلدون قبل قرون لا يزال صالحًا لكل زمان، إذ يقول: «من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين، ضاقت نفسه، وذهب نشاطها، وحمله ذلك على الكذب والخداع.» وهي حكمة تربوية تؤكد أن القسوة لا تخرج إلا شخصية مضطربة، بينما تنشئ الرحمة إنسانًا واثقًا بنفسه.
ومن المخاطر التي تهدد أبناء هذه المرحلة أيضًا الإفراط في استخدام الألعاب الإلكترونية ومشاهدة الشاشات.
فقد أصبحت الأجهزة الذكية جزءًا من حياة الأطفال، حتى استحوذت على معظم أوقاتهم.
وتشير الدراسات إلى أن الاستخدام المفرط لهذه الوسائل يرتبط بآثار صحية، مثل إجهاد العين وآلام العمود الفقري وقلة الحركة، وآثار نفسية تتمثل في العزلة والقلق والتوتر، إضافة إلى آثار اجتماعية تتمثل في ضعف مهارات التواصل والحوار، فضلًا عن تأثر الطفل بمشاهد العنف والسلوكيات السلبية التي تعرضها بعض الألعاب والبرامج.
كما حذرت دراسات عديدة من تأثير الإعلانات التجارية الكثيفة على الأطفال، إذ تدفعهم إلى الاستهلاك المفرط والإلحاح في طلب المشتريات، في حين أثبتت أبحاث أخرى وجود علاقة بين كثرة مشاهدة التلفاز وارتفاع معدلات السمنة لدى الأطفال بسبب قلة النشاط البدني.
ولا يعني ذلك حرمان الطفل من التقنية، وإنما ترشيد استخدامها، بتحديد أوقات مناسبة لها، واختيار المحتوى النافع، وتعزيز البدائل التي تنمي شخصيته، مثل القراءة، والرياضة، واللعب الجماعي، والأنشطة الأسرية.
أما السخرية والاستهزاء، سواء من الطفل نفسه أو من أحد والديه أمامه، فهي من أكثر الممارسات إيذاءً لنفسه.
فالطفل الذي يُقابل بالسخرية عند التعبير عن أفكاره أو محاولاته يفقد الثقة بنفسه، ويخشى المبادرة، ويتراجع دافعه إلى الإبداع والتعلم.
ومن هنا فإن احترام الطفل، وتشجيعه، والإشادة بمحاولاته، وتصحيح أخطائه برفق، كلها وسائل تصنع شخصية متوازنة قادرة على النجاح والعطاء.
إن أبناء السابعة والثامنة والتاسعة ليسوا مجرد أطفال صغار، بل هم مشروع رجال ونساء المستقبل، وما يُغرس في نفوسهم اليوم سيؤتي ثماره غدًا.
لذلك فإن مسؤولية الأسرة والمربين ليست في تصحيح الأخطاء فحسب، بل في اكتشاف المواهب، ورعايتها، وحمايتها من الممارسات التي تقتل الإبداع وتطفئ جذوة التميز.
إن التربية الناجحة تقوم على الحب والحوار والقدوة الحسنة، وتبتعد عن الإهانة والسخرية والعنف والإفراط في الشاشات.
وبهذه الأسس وحدها يمكن أن نُنشئ جيلًا واثقًا بنفسه، قوي الشخصية، مستقيم الأخلاق، قادرًا على خدمة دينه ووطنه ومجتمعه.
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر