لم أكن أتوقع أن يتحول ذلك المساء الهادئ إلى نقطة فاصلة في حياتي. كنت جالسًا في غرفتي أراجع دروسي، فإذا بوالدي يدخل عليّ، وقد بدت على وجهه علامات القلق والتعب. جلس إلى جواري، ثم قال بصوت خافت: «يا بني، أريد أن أحدثك في أمرٍ مهم».

 أغلقت كتبي ونظرت إليه باهتمام، ثم قلت: «تفضل يا أبي». تنهد طويلًا، ثم قال: «من اليوم لن تستطيع مواصلة الدراسة في هذه المدرسة».

 شعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدمي، وسألته باستغراب: «ولماذا يا أبي؟» قال بحزن: «مرت شركتنا بأزمة مالية كبيرة، وتدهورت أوضاعنا الاقتصادية، ولم أعد قادرًا على تحمل جميع المصروفات التي تثقل كاهلي في نهاية كل شهر، لذلك اضطررت إلى إعادة ترتيب أولويات الأسرة».

 قلت بهدوء: «لكن لماذا وقع الاختيار عليّ أنا دون إخوتي؟» أجاب: «لأنك الوحيد الذي يدرس في مدرسة أهلية متخصصة في اللغة العربية، ورسومها أعلى من غيرها».

 قلت: «لكن إخوتي أيضًا يدرسون الفرنسية في المدارس الحكومية، ثم يذهبون مساءً إلى معاهد اللغة الإنجليزية، أليست تلك أيضًا مصروفات إضافية؟

» قال: «مع ذلك، تبقى دراستك هي الأكثر تكلفة... ثم إنك تدرس العربية».

نظرت إليه بدهشة وقلت: «وما المشكلة في ذلك؟» قال: «يا بني، كن واقعيًا. إخوتك يتعلمون الفرنسية، وهي اللغة الرسمية في بلادنا، والإنجليزية لأنها لغة العصر، أما العربية فلا أرى لها مستقبلًا في جيبوتي.» كانت كلماته مؤلمة، لكنني تماسكت وقلت: «وهل أصبح مستقبل الإنسان مرتبطًا باللغة التي يدرسها فقط؟»

قال: «هذه ليست وجهة نظري وحدي، بل ما يراه بعض الناس. أخشى أن تتعب سنوات طويلة، ثم لا تجد وظيفة تليق بك.» ابتسمت وقلت: «يا أبي، النجاح لا تصنعه اللغة، وإنما يصنعه الإنسان المجتهد.» ابتسم ساخرًا وقال: «إذن أخبرني، هل تعرف أحدًا من خريجي اللغة العربية وصل إلى منصب رفيع؟»

 قلت بثقة: «نعم، وأعرف أكثر من واحد.» ثم بدأت أذكر له أسماء شخصيات جيبوتية تقلدت مناصب مهمة بعد تخرجها في اللغة العربية، من الوزراء والسفراء، ومديري الإدارات، والإعلاميين، والقضاة.

 ومع ذلك ظل والدي غير مقتنع، وقال: «هؤلاء قلة، والواقع لا يزال صعبًا.» وبينما نحن نتحدث، مر أمام منزلنا رجل ابتلاه الله بمرض أفقده صوابه، فأشار إليه والدي وقال: «أخشى عليك من طريق لا توصل إلى شيء إذا بقيت متمسكًا بحلم واحد فقط.» تألمت من هذا التشبيه، لكنني قلت بهدوء: «وأنا أخشى أن أترك حلمي من أجل كلام الناس».

 ثم قال والدي كلمته الأخيرة التي هزت كياني: «ابتداءً من هذا العام، لن أدفع عنك رسوم الدراسة.

 إن أردت أن تواصل تعليمك، فتحمل المسؤولية بنفسك.» خرجت من عنده، وكانت الكلمات تثقل صدري، لكن يقيني بالله كان أكبر من خوفي.

الفرصة التي جاءت من السماء(2) بتُّ ليلتي بين اليأس والرجاء.

 كانت كلمات والدي تتردد في أذني: «لن أدفع عنك فرنكاً واحداً بعد اليوم».

لكنني لجأت إلى الله، وصليت الفجر، ورفعت يدي بالدعاء أن يفتح لي بابًا من فضله.

خرجت إلى المدرسة وأنا أردد أبياتًا تبعث الأمل في النفس. وعندما اقتربت من بوابة المدرسة، فوجئت بتجمع كبير من الطلاب حول لوحة الإعلانات.

 تقدمت لأرى الخبر، فإذا بإعلان عن مسابقة في القصة القصيرة ينظمها وزارة التربية الوطنية بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، وجائزتها الأولى مئتا ألف فرنك جيبوتي.

 قلت في نفسي: «لعلها رسالة من الله.» بادرت إلى تسجيل اسمي، رغم أن عدد المشاركين بلغ مئتين وسبعة وخمسين متسابقاً من مدارس مختلفة.

عدت إلى المنزل، وأمضيت الأيام أكتب قصتي، ثم أمزقها، وأعيد صياغتها مرات عديدة، حتى اطمأن قلبي إلى صورتها الأخيرة، ثم سلمتها للجنة.

وبدأت رحلة الانتظار... ومرت الأيام بطيئة، حتى جاء موعد إعلان النتائج في حفل رسمي حضره مسؤولون ومربون ومهتمون باللغة العربية.

وقبل بدء الحفل بدقائق، رن هاتفي. كان أحد زملائي يصرخ من شدة الفرح: «مبارك! يا بطل لقد فزت في المسابقة» ظننته يمزح، لكنه أكد الخبر، فخررت ساجداً لله شكرًا، ثم أسرعت إلى مقر الحفل.

 وبين تصفيق الحضور، نادى مقدم الحفل باسمي، فصعدت إلى المنصة، وتسلمت شهادة التقدير والجائزة الأولى، وكانت قيمتها مئتي ألف فرنك جيبوتي.

 وفي تلك اللحظة، لم أفكر في هاتف جديد، ولا في ملابس جديدة، بل خطر ببالي أمر واحد فقط... رسوم مدرستي.

 

 بقلم: حسن علي وابري