بين الشخصيتين توجد نظريات كثيرة في السلوك الإنساني، معظمها تناول موضوع شخصية الإنسان، وقد تكلم عنها علماء السلوك بالتفصيل في كتبهم.

بعض هذه النظريات تحاول تحديد شخصية الفرد بشكل عام، بعيداً عن خصائصه السلوكية، من خلال التكوين الجسماني أو النمط النفسي وغير ذلك.

وبعضها تناول شخصية الفرد بشكل خاص، من خلال خصائصه السلوكية التي تميزه عن غيره، مثل نمط الاستجابة للمواقف، ونمط التفكير، وغير ذلك من السمات السلوكية. وبعيداً عن هذه النظريات، نرغب في هذه السطور أن نتوقف عند شخصيتين متميزتين بمواصفاتهما الخاصة، وأعتقد أن أغلب الناس، على مر التاريخ، يمكن أن نجدهم في واحدة منهما.

وهما حسب تسميتي الخاصة: شخصية المنصب، وشخصية المبدأ.شخصية المنصب ليست المقصود بها كل من يشغل منصباً، وإنما هي الشخصية التي يصبح المنصب بالنسبة إليها غاية، وتصبح المحافظة عليه أهم من المبادئ والواجبات.

 هي شخصية لا تعرف «لا» عندما تتعارض «لا» مع مصلحتها، ولا تعرف الصواب والخطأ إلا من زاوية المصلحة الخاصة.

 شخصية يمكن أن تتغير مواقفها بتغير الظروف والمصالح.

إنها شخصية تقدس المكانة، وتربط قيمتها بما تملك من مال أو جاه أو سلطة.

 فإذا وجدت نفسها في الفقر والحاجة، دعت الله والتزمت المسجد ورافقت أهل الخير، وإذا وجدت نفسها في الغنى أو المنصب، تكبرت أحياناً ونسيت ما كانت عليه من قبل. ولذلك فهي شخصية غير مستقرة، لأن قوتها ليست نابعة من داخلها، وإنما من المكان الذي وصلت إليه.

 ومن زاوية أخرى، هذه الشخصية تفتقد كثيراً من خصائص القيادة، وقد لا يكون لها قرار حقيقي حتى وهي على كرسي القرار.

 بغيتها الأساسية هي المحافظة على المنصب أو المال أو الجاه، ولذلك تخاف من القرارات الصعبة التي قد تهدد موقعها، فتقدم مصلحتها الشخصية على مصلحة المؤسسة. والنتيجة أن المدير قد يكون موجوداً في المنصب، لكنه لا يمارس الإدارة كما ينبغي.

 يتردد، ويؤجل، ويتجنب المواجهة، وتضيع أمامه فرص كثيرة للتطوير والنمو، لأن المنصب أصبح أقوى منه، وليس هو الأقوى منه. أما شخصية المبدأ فهي شخصية ثابتة، وقوتها نابعة مما تؤمن به من مبادئ.

يستوي عندها الفقر والغنى، ويستوي عندها المنصب وغيره، لأنها لا تجعل قيمتها مرتبطة بما تملك أو بالمكان الذي تشغله.

هي شخصية قوية في قولها وكتاباتها، قوية في موقفها وقراراتها.

 شخصية تعرف متى تقول «لا» ومتى تقول «نعم»، بعيداً عن المصالح الخاصة.

 شخصية مستقلة وحرة، ولا ترى أن خسارة منصب أو مال تعني خسارة كل شيء.

شخصية المبدأ تحدد الصواب والخطأ وفق ما تؤمن به من مبادئ وقيم، ولذلك تستطيع أن تتخذ قرارها حتى عندما يكون القرار صعباً أو مكلفاً.

 وقد تخسر منصباً أو مالاً أو امتيازاً، لكنها لا ترى أن عليها أن تتخلى عن مبدئها من أجل ذلك.

وهنا يجب أن نفرق بين ثبات الإنسان على مبدأ وبين صحة المبدأ نفسه.

فقد يكون الإنسان ثابتاً على مبدأ صحيح، وقد يكون ثابتاً على فكرة خاطئة.

 فالثبات يدل على قوة الشخصية، أما صحة المبدأ فتحتاج إلى ميزان آخر من الحق والعقل والقيم.لذلك لا يشترط في شخصية المبدأ أن تكون مسلمة أو أن تؤمن بفكر معين.

فقد تكون مسلمة، وفي الإسلام تزداد قوتها، وقد تكون غير مسلمة، لكنها قوية وثابتة بما آمنت واقتنعت به، وإن كان ما تؤمن به في نظرنا حقاً أو باطلاً.

فحينما دخل ربعي بن عامر على رستم متكئاً على رمحه، كان واضحاً في موقفه، ثابتاً على ما يؤمن به، ولم يجعل اختلاف المكان والسلطة سبباً للتنازل عن موقفه.

وفي المقابل، نجد في التاريخ أشخاصاً ثبتوا أيضاً على ما كانوا يؤمنون به، رغم أن ما آمنوا به كان باطلاً.

 والمثال هنا أبو جهل، الذي بقي ثابتاً على موقفه حتى النهاية.

 وهذا يوضح أن الحديث هنا عن طبيعة الشخصية وثباتها، وليس عن الحكم على صحة كل ما تؤمن به.

وهناك من أصحاب المبادئ من يسقط في الطريق، ويستسلم تحت ضغوط ما، فتجده، وبخطوات رزينة، قد تحول إلى شخصية المنصب أو المادة.

وقد لا يحدث هذا التحول فجأة، وإنما يبدأ بتنازل صغير، ثم تنازل آخر، حتى يجد الشخص نفسه بعد فترة بعيداً عما كان يؤمن به.

وقد تجده أحياناً مستحياً من تحول شخصيته، فيتخفى عن أعين الناس قدر المستطاع.

 وإن لقيته صدفة، أكثر عليك الأعذار التي أجبرته على هذا التحول، هذا إن لم يتجاهلك.

 وقد يجادلك أحياناً ليقنعك أن هذه مجرد استراتيجية جديدة تتطلبها المرحلة، وأنه ما زال على إيمانه.

وقد يكون بإمكانك أن تلتمس عذراً لمثل هذه الشخصية من باب «التمس لأخيك سبعين عذراً»، فالإنسان قد يضعف تحت ظروف معينة، وقد يراجع بعض مواقفه عندما تتغير الظروف أو تظهر له حقائق جديدة. وهذا أمر طبيعي.

لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن يراجع الإنسان موقفه لأنه اكتشف أنه كان مخطئاً، وبين أن يغير مبدأه لأن مصلحته تغيرت.

 أما الشخصية التي تنسلخ من مبادئها فجأة، وبلا مقدمات، ثم تتمرد أو تعادي أحياناً أقرانها السابقين، فهي تحتاج إلى مراجعة أعمق.

 وربما لم تكن صادقة من البداية في مبادئها، وربما كانت شخصية المنصب في داخلها، تنتظر فقط الفرصة المناسبة لتظهر.

 قد يدعي كثير من الناس أنهم أصحاب مبادئ، لكن الاختبار الحقيقي لا يكون في أوقات الراحة، وإنما عندما تتعارض المصلحة مع المبدأ.

فقد يكون الإنسان صاحب مبدأ ما دام التمسك به لا يكلفه شيئاً، لكن ماذا سيفعل عندما يصبح التمسك به سبباً في خسارة منصب أو مال أو علاقة أو امتياز؟

هنا تظهر حقيقة الشخصية. فشخصية المنصب تسأل: ماذا سأخسر إذا قلت الحقيقة؟

 أما شخصية المبدأ فتسأل: ماذا سأخسر إذا لم أقلها؟

وفي النهاية، ليست المشكلة أن يكون للإنسان منصب أو مال أو نفوذ، فكل ذلك يمكن أن يكون وسيلة لخدمة الناس وتحقيق الخير.

المشكلة عندما يتحول المنصب من شيء في يد الإنسان إلى شيء يسيطر عليه، فيصبح الإنسان حريصاً على بقاء المنصب أكثر من حرصه على أداء الأمانة.

 وربما يحتاج كل واحد منا، وخاصة من يتولى مسؤولية أو منصباً، إلى أن يسأل نفسه من وقت إلى آخر: هل أنا أملك المنصب، أم أن المنصب يملكني؟

 وهل مواقفي تحكمها مبادئي، أم تحكمها مصلحتي؟

 قد يكون معظمنا أصحاب مناصب في مرحلة من مراحل حياتنا، لكن السؤال الأهم: كم منا يستطيع أن يكون صاحب مبدأ عندما تتعارض المصلحة مع المبدأ؟

 

بقلم د. عثمان فريد، أستاذ الإدارة بالجامعة