استكمالًا لما تناولناه في الجزء الأول، نقف اليوم عند سادسًا: ما الذي سيبقى منك بعد رحيلك؟

 وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا مع أنفسنا.

 فالحياة ليست في طولها، وإنما في أثرها.

وقد يعيش الإنسان سنوات طويلة دون أن يضيف إلى حياة الآخرين شيئًا ذا قيمة، بينما يستطيع إنسان آخر أن يترك خلال سنوات قليلة أثرًا يمتد إلى أجيال.

لذلك، ليس السؤال الأهم: كم عشت؟

 بل: ماذا صنعت بما عشت؟

 ليس السؤال: كم كتابًا قرأت؟

 بل: كم عقلًا أنرت؟

 وليس السؤال: كم شهادة حصلت عليها؟

 بل: كم إنسانًا انتفع بعلمك؟

 وليس السؤال: كم منصبًا وصلت إليه؟

 بل: كم إنسانًا ساعدت على الوصول؟

وليس السؤال: كم مرة تحدثت عن القيم؟

 بل: كم قيمةً جسّدتها في سلوكك؟

 فالتربية لا تُقاس بما نقوله للمتعلمين فقط، وإنما بما يرونه فينا من سلوك ومواقف إن المعلم قد ينسى طلابه كثيرًا مما قاله في الدرس، لكنهم قد لا ينسون عدله، ولا رحمته، ولا احترامه لهم، ولا صدقه، ولا موقفًا إنسانيًا وقف فيه إلى جانبهم حين احتاجوا إليه، ولهذا فإن المربي نفسه رسالة قبل أن يكون صاحب رسالة سابعًا: لا تكن شجرةً كثيرة الأوراق قليلة الثمار ومن التأملات التربوية المهمة أن الشجرة لا تُقاس بكثرة أوراقها وحدها، وإنما بما تنتجه من ثمر، وكذلك الإنسان؛ فلا ينبغي أن نغتر بكثرة الكلام، أو كثرة الظهور، أو كثرة الألقاب، أو كثرة العلاقات، إذا كان كل ذلك قليل الأثر في حياة الناس قد يكون الإنسان كثير الحضور، قليل النفع؛ كثير الحديث، قليل العمل؛ كثير الوعود، ضعيف الإنجاز؛ كثير الظهور، محدود الأثر، والتربية بحاجة إلى تجاوز ثقافة المظهر إلى ثقافة الأثر، فالهدف ليس أن نبدو ناجحين، بل أن نكون نافعين وليس المهم أن يقال عن المعلم إنه متميز، بل أن يظهر تميزه في تعلم طلابه، وفي سلوكهم، وفي قدرتهم على التفكير، وفي أخلاقهم، وفي ثقتهم بأنفسهم، وفي قدرتهم على مواجهة الحياة.

 ثامنًا: الشجرة الطيبة تُثمر حتى بعد رحيل صاحبها ــــ إن أعظم أنواع العطاء هو ذلك الذي يستمر بعد غياب صاحبه ــــ قد يموت المعلم، لكن تلاميذه يستمرون في تعليم غيرهم ـــــ وقد يرحل المربي، لكن القيم التي غرسها تبقى في نفوس من ربّاهم ـــــ وقد يغيب الأب، لكن حكمته ومبادئه تستمر في أبنائه ـــــ وقد يغادر الباحث الدنيا، لكن علمه يظل حاضرًا في الكتب والأبحاث والعقول وهنا تبلغ الرسالة التربوية أسمى معانيها: أن يتحول الإنسان من مجرد فرد يعيش في زمن محدد إلى أثر يمتد عبر الزمن فليست العبرة أن تبقى أنت، وإنما أن يبقى خيرك وليس أعظم النجاح أن يظل اسمك حاضرًا، وإنما أن تظل آثارك النافعة حاضرةً في حياة الناس.

 تاسعًا: اسأل نفسك كل صباح فإنني أقترح على كل مربٍّ، وكل معلم، وكل صاحب رسالة، أن يجعل لنفسه وقفةً يومية يسأل فيها: * ــــ ماذا قدمت اليوم؟

 ، من انتفع بعلمي؟

 ، من شجعته؟

، من ساعدته؟

 من أحييت في قلبه أملًا؟

، من غرست فيه قيمة؟

 ، من أصلحت بينه وبين غيره؟

 * ــــ ما الخير الذي سيبقى بعد أن ينتهي هذا اليوم؟

فإذا لم يكن لك أثر، ولا نفع متجدد، ولا قيمة تُغرس، ولا خير يصل إلى الآخرين، فربما تحتاج إلى أن تعيد النظر في طريقة عيشك، وفي رسالتك، وفي معنى النجاح الذي تسعى إليه فالحياة ليست مجرد وجود بيولوجي، وإنما هي رسالة ومسؤولية وأثر.

 وأخيرًا .. كن كشجرةٍ طيبة: ثابتة الجذور، سامقة الفروع، وافرة الثمار، وارفة الظلال، دائمة النفع، جميلة الأثر كن ثابتًا في مبادئك، متجددًا في معرفتك، ناضجًا في أخلاقك، كريمًا في عطائك، صادقًا في رسالتك.

لا تكن ممن يأخذون من الحياة أكثر مما يعطونها، بل كن ممن يضيفون إلى حياة الآخرين شيئًا يجعلها أفضل ازرع علمًا، واغرس قيمة، وامنح أملًا، وأصلح ما استطعت، وساعد من احتاج، واترك وراءك أثرًا طيبً ا.

 فما أجمل أن يرحل الإنسان عن الدنيا، وقد ترك وراءه بساتين من العلم، وحقولًا من القيم، وثمارًا من الأعمال الصالحة، وقلوبًا تشهد له بالخير وحينها لا يكون رحيله انطفاءً كاملًا، لأن ما غرسه يظل ينمو في حياة الآخرين، وما علّمه يظل يُعلَّم، وما أصلحه يظل صالحًا، وما زرعه من خير قد يؤتي ثماره بعد سنوات من غيابه وهذا هو المعنى الأعمق للشجرة الطيبة: أن يكون وجودك في الحياة سببًا في حياةٍ أفضل لغيرك فاسأل نفسك دائمًا : لوغبت اليوم، ماذا سيبقى مني؟

 فإن وجدت علمًا ينتفع به، أو خلقًا يُقتدى به، أو إنسانًا أقوى بسببك، أو قيمةً غرستها في نفس، أو عملًا صالحًا يستمر بعدك؛ فاحمد الله، فقد بدأتَ تقترب من معنى الشجرة الطيبة وإن لم تجد، فلا تيأس؛ فما زال في العمر متّسع لأن تغرس.

 فازرع اليوم ما تحب أن تجده غدًا، وكن شجرةً طيبةً؛ أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وثمرها نافع، وظلها ممتد، وأثرها باقٍ بإذن ربها.

 واجعل ذلك منهجًا لك طوال مسيرة حياتك؛ اغرس الخير في نفسك، وانشره في أهلك، وعلّمه لأبنائك، وابذله في مجتمعك، واترك وراءك أثرًا طيبًا يبقى بعد رحيلك.

فلا العبرة أن تطول الحياة، وإنما العبرة أن تحسن العمل فيها، ويعظم نفعك، ويمتد أثرك فكن شجرةً طيبةً حتى تلقى ربك؛ ثابتَ الأصل، طيبَ الثمر، واسعَ الظل، ممتدَّ الأثر، راجيًا أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119].

فهذه هي الغاية: أن يعيش الإنسان لله، ويعمل صالحًا، وينفع عباده، ثم يلقى ربَّه راضيًا مرضيًّا.

 

بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي