تُعد مرحلة السابعة والثامنة والتاسعة من العمر من أهم المراحل التي يمر بها الطفل، فهي ليست مجرد سنوات دراسية عابرة، بل هي مرحلة تأسيس وبناء، تُغرس فيها القيم، وتتكون فيها الشخصية، وتتحدد فيها كثير من الاتجاهات التي سترافق الإنسان طوال حياته.
وما يُزرع في هذه السن المبكرة ينمو مع الأيام، ويؤتي ثماره في مستقبل الابن، خيرًا كان أم شرًا.
ولتقريب هذه الحقيقة، يمكن تصور تجربة بسيطة؛ فلو رسمنا دائرة صغيرة على بالون قبل نفخه، ثم بدأنا في نفخه، فإن الدائرة ستكبر كلما ازداد حجم البالون.
وهكذا هي التربية؛ فالفكرة التي تُغرس في عقل الطفل، والخلق الذي يُربى عليه، والعادة التي يعتادها، تكبر معه عامًا بعد عام حتى تصبح جزءًا من شخصيته.
ومن هنا يؤكد علماء التربية وعلم النفس والإرشاد المدرسي أن هذه المرحلة العمرية تمتاز باستعداد كبير للتعلم والتأثر، مما يجعلها أنسب وقت لغرس العقيدة الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، والآداب الرفيعة، وتنمية التفكير السليم، وتعويد الطفل على تحمل المسؤولية والانضباط، وتعزيز ثقته بنفسه، وتوجيه انفعالاته الوجهة الصحيحة.
ولا يقتصر دور الأسرة على التعليم المباشر، بل يمتد إلى حسن اختيار البيئة التي ينشأ فيها الطفل؛ فالمدرسة الصالحة، والمسجد الذي يعنى بالإيمان والأخلاق، والصاحب الصالح، كلها عناصر تصنع شخصية متوازنة، وتؤثر في سلوك الطفل أكثر مما يتصوره كثير من الآباء والأمهات.
ولقد سبق الإسلام إلى تقرير هذه الحقيقة التربوية، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يولي الأطفال عناية خاصة، ويغرس في نفوسهم الإيمان والعلم منذ نعومة أظفارهم.
ومن الشواهد المضيئة على ذلك الصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه، الذي لم يتجاوز التاسعة من عمره عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك حفظ عنه الحديث العظيم: «إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن»، وهو من الأحاديث التي عدها العلماء أصلًا من أصول الإسلام.
كما شهد النعمان قيام النبي صلى الله عليه وسلم في ليالي رمضان، وروى تلك المشاهد للأمة، مما يدل على أن أطفال الصحابة كانوا يعيشون في بيئة إيمانية، يشاركون في مجالس العبادة، ويتربون على حب المساجد، ويخالطون الصالحين، حتى خرج منهم العلماء والخطباء وقادة الأمة.
ومن النماذج المشرقة كذلك الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره ثماني سنوات، ومع ذلك حفظ للأمة دعاء القنوت الذي علمه له النبي صلى الله عليه وسلم، فبقي هذا الدعاء يتردد على ألسنة المسلمين جيلاً بعد جيل.
وهذا يؤكد أن الطفل في هذه المرحلة قادر على حفظ العلم، وفهمه، والعمل به إذا وجد المربي القدوة والبيئة الصالحة.
ولهذا ينبغي أن يكون اهتمام الوالدين في هذه السن منصبًا على غرس العبادات والآداب قبل الانشغال بالمظاهر والشكليات.
فتعويد الطفل على الصلاة، والذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، والصدق، والأمانة، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، وتحمل المسؤولية، كلها بذور ستنمو مع الأيام، وتثمر شخصية مستقيمة نافعة لنفسها ولمجتمعها.
ومن الوسائل العملية التي تعين على ذلك تعليم الطفل الآداب الإسلامية اليومية، كما ورد في عدد من الكتب التربوية المتخصصة، مثل كتاب «الآداب الإسلامية للناشئة» للدكتور محمد خير، الذي جمع آداب الحياة اليومية بأسلوب يناسب الأطفال.
ومن تلك الآداب: الاستيقاظ المبكر، والبدء بذكر الله، والمحافظة على الطهارة، وتنظيف الأسنان، وترتيب الفراش، والهدوء عند إيقاظ الآخرين، والاعتماد على النفس في إنجاز الأعمال اليومية، وهي سلوكيات بسيطة في ظاهرها، لكنها تبني شخصية منظمة ومسؤولة.
إن تربية أبناء السابعة والثامنة والتاسعة ليست مسؤولية عابرة، وإنما هي مشروع بناء طويل المدى، يبدأ من البيت، ويتكامل مع المدرسة، ويعضده المسجد، ويشارك فيه المجتمع بأسره.
وكلما كان الغرس صالحًا، كان الحصاد مباركًا بإذن الله. ولعل أجمل ما نختم به أن هذه المرحلة هي موسم الزراعة الحقيقي؛ فمن أحسن البذر، وسقى غرسه بالقدوة الحسنة، والمتابعة، والدعاء، والصبر، فليبشر بحصاد طيب في مستقبل أبنائه، أما من أهمل هذا الموسم الثمين فلن يجني إلا الحسرة، وقد صدق الشاعر: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا ندمت على التفريط في زمن البذر
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر