من المنهاج إلى المقرر... رحلة الرؤية إلى التطبيق ــ إذا كان المنهاج يمثل الفلسفة التربوية والرؤية الحضارية التي تُوجِّه العملية التعليمية، فإن المقرر الدراسي يمثل المرحلة التنفيذية التي تتحول فيها تلك الرؤية إلى واقع تعليمي قابل للتطبيق داخل البيئة المدرسية. فالعلاقة بين المنهاج والمقرر ليست علاقة ترادف، وإنما علاقة الكل بالجزء؛ إذ إن المقرر جزء من المنهاج، وأحد أدواته الإجرائية التي تترجم أهدافه وفلسفته إلى خبرات تعليمية منظمة ــــــ ويُعرَّف المقرر الدراسي بأنه خطة تعليمية خاصة بمادة دراسية محددة، تُبنى لفصل دراسي أو لعام دراسي كامل، وتشتمل على الموضوعات، والأهداف، والأنشطة، وأساليب التقويم، والزمن المخصص للتدريس، بما يضمن تحقيق نواتج التعلم المنشودة.

 ومن ثم، فالمقرر ليس مجرد مجموعة من الدروس المتتابعة، بل هو تنظيم علمي للمحتوى في إطار زمني محدد، يراعي خصائص المتعلمين ومتطلبات المرحلة التعليمية.

غير أن السؤال الفلسفي الذي يسبق بناء هو أي مقرر يظل حاضرًا بقوة: وأيُّ محتوى يحتاج إليه الإنسان؟

 فليست كل معرفة جديرة بأن تُدرَّس، وليست كل حقيقة مناسبة لكل مرحلة عمرية. إن اختيار المحتوى قضية اجتماعية تربوية وفكرية، تنطلق من فهم طبيعة الإنسان، وحاجاته، وخصائص نموه، وأدواره المستقبلية في الحياة والمجتمع. ــــ وينطلق بناء المقرر من المادة العلمية التي تمثل الأصل المعرفي، ثم تُنتقى منها العناصر التي تحقق الأهداف التربوية.

وتتكون هذه المادة من حقائق، ومفاهيم، ومبادئ، ونظريات، وقيم، ومهارات، واتجاهات، تُنظَّم بصورة متدرجة ومتكاملة؛ ليتمكن المتعلم من توظيفها في فهم ذاته، والتفاعل مع مجتمعه، والتعامل مع الكون والطبيعة، ومواجهة تحديات الحياة بوعي ومسؤولية.

ــــــ ومن هنا فإن المحتوى الدراسي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء الإنسان. فالمعيار الحقيقي لا يكمن في كثرة المعلومات، وإنما في مدى قدرتها على تنمية التفكير، وصقل الشخصية، وإكساب المتعلم الكفايات التي تمكنه من التعلم المستمر، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والإسهام في نهضة مجتمعه.

 ــــ ولعل تسمية المقرر بهذا الاسم تحمل دلالة تربوية عميقة؛ فهو ما أُقِرَّ واعتمد من قبل الجهات العلمية والتربوية المختصة بعد دراسة وتحليل، ليكون الإطار المعرفي الذي يلتزم به المتعلم خلال مدة زمنية محددة.

 وليس المقصود من هذا الإقرار فرض المعرفة لذاتها، وإنما ضمان الحد الأدنى من المعارف والمهارات والقيم التي يحتاج إليها الإنسان في مرحلته التعليمية، بما يحقق التوازن بين متطلبات الفرد واحتياجات المجتمع، وبين الثوابت الحضارية ومتغيرات العصر. ـــ إن المقرر الناجح ليس الذي يكدس المعلومات في أذهان المتعلمين، وإنما الذي يحول المعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والسلوك إلى ممارسة حضارية.

فكل مقرر ينبغي أن يجيب عن ثلاثة أسئلة كبرى: ماذا نُعلِّم؟ ولماذا نُعلِّم؟ وكيف نُعلِّم؟

 فإذا غابت الإجابة عن أحد هذه الأسئلة، فقد المقرر كثيرًا من قيمته التربوية وهكذا، فإن الانتقال من المنهاج إلى المقرر هو انتقال من مستوى الفلسفة والرؤية إلى مستوى التنظيم والتنفيذ؛ فالمنهاج يرسم الغاية، والمقرر يحدد الطريق إليها، أما المعلم فهو الذي يحول هذه الرؤية إلى تجربة تعليمية حية، تُنير العقل، وتُهذب الوجدان، وتُنمي المهارة، ليصبح التعليم مشروعًا لصناعة الإنسان، لا مجرد وسيلة لاجتياز الامتحانات ولا يقتصر مفهوم المقرر على المؤسسة التعليمية، بل يمتد ليشمل حياة الإنسان بأسرها؛ فلكل إنسان مقرراته ينبغي أن يعتمدها في مسيرته، ولكل مرحلة من عمره معارف، ومهارات، وقيم، وأهداف تتناسب مع متطلباتها.

 فالناجح ليس من يحفظ مقررات المدرسة فحسب، بل من يُحسن اختيار مقررات حياته، فيقرر ماذا يقرأ، وماذا يتعلم، وما المهارات التي يكتسبها، وما القيم التي يلتزم بها، وما الرسالة التي يسعى إلى تحقيقها.

إن الحياة مدرسة مفتوحة لا تنتهي، وأيامها فصول دراسية متجددة، وتجاربها اختبارات متواصلة، والزمن فيها هو المعلم الأكبر.

ولذلك فإن الإنسان الذي يعيش بلا مقررات واضحة، ولا أهداف محددة، ولا خطة واعية، يظل أسير العشوائية مهما امتلك من قدرات وإمكانات.

 أما الذي يضع لنفسه مقررات معرفية، وأخلاقية، ومهنية، واجتماعية، فإنه يبني ذاته بوعي، ويتقدم بخطوات ثابتة نحو غاياته.

ومن هنا، فإنني أدعو كل إنسان إلى أن يجعل لحياته مقررات كما للمؤسسات التعليمية مقرراتها؛ مقررات للقراءة، ومقررات للتعلم، ومقررات لبناء الأخلاق، ومقررات لتطوير المهارات، ومقررات لخدمة المجتمع.

 فالتقدم الحقيقي لا يبدأ من قاعات الدرس وحدها، وإنما يبدأ عندما يتحول التعلم إلى أسلوب حياة، ويصبح الإنسان هو المعلم الأول لنفسه، والمخطط لمسيرته، والمسؤول عن تطويرها.

 فكما أن المنهاج يرسم الرؤية، والمقرر يحدد الطريق، فإن الحياة الناجحة لا تُبنى بالأمنيات، وإنما بمنهج واضح، ومقررات واعية، وإرادة صادقة، وعملٍ متواصل. وعندئذٍ يصبح الإنسان مشروعًا متجددًا للتعلم، وتغدو حياته رحلةً دائمةً في البناء والارتقاء، فيسهم في صناعة ذاته، ويشارك في نهضة مجتمعه، ويترك أثرًا نافعًا يبقى بعد رحيله منهجيّات... زاويةٌ تُضيء لك عالمَ المناهج وطرائق التدريس

 

بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي