بعد انتهاء الحفل، توجهت مباشرة إلى مدرستي، وسددت الرسوم الدراسية كاملة، ثم اشتريت هدية لوالدتي، وأخرى لوالدي، وعدت إلى المنزل.

قدمت الهدية إلى أبي، فابتسم وقال أمام أفراد الأسرة: انظروا إلى ابني، إنه أول من أهداني هدية من كسب يده.

 ابتسمت وقلت: يا أبي... هذه الهدية كانت ثمرة اللغة العربية.

نظر إليّ باستغراب، فقصصت عليه حكاية المسابقة منذ بدايتها، وكيف كانت الجائزة سببًا في مواصلة دراستي.

 ظل صامتًا لحظات، ثم قال: مجرد مسابقة في اللغة العربية منحتك كل هذا المبلغ؟

 قلت: ـ نعم يا أبي. طأطأ رأسه، وقال بصوت امتزج فيه الندم بالفخر: سامحني يا بني.

 لقد كنت أظن أن العربية لن تفتح لك بابًا، ولم أكن أعلم أنك تمتلك هذه الموهبة.

كنت أردد ما يقوله الناس دون أن أتحقق.

 ثم أضاف: لقد تعلمت منك اليوم درسًا لن أنساه: لا ينبغي أن نحكم على علم أو لغة من خلال كلام الناس، بل من خلال ما يستطيع الإنسان أن يحققه إذا أخلص واجتهد.

 ابتسمت، وقبلت رأسه، وقلت: لا تعتذر يا أبي، فأنا أعلم أنك لم ترد إلا مصلحتي، وما قلته كان نتيجة أفكار شائعة في المجتمع، لا نتيجة سوء نية.

ربت على كتفي وقال: سر في طريقك يا بني، وتمسك بلغتك، واجعلها وسيلة لخدمة دينك ووطنك، وأسأل الله أن يفتح لك أبواب الخير.

 خرجت من عنده وأنا أشعر أنني لم أربح جائزة مالية فحسب، بل ربحت ثقة والدي، ورسخت في نفسي يقينًا لا يتزعزع: إن الإنسان لا ينجح باللغة التي يدرسها، وإنما ينجح بالإيمان برسالته، والاجتهاد في طلبها، والتوكل على الله.

 

بقلم: حسن علي وابري