يشهد القرن الإفريقي خلال العقدين الأخيرين تحولًا ملحوظًا في منظومة التعليم العالي، تجلّى في الارتفاع المتسارع لأعداد الحاصلين على درجتي الماجستير والدكتوراه.

 ويُعزى هذا التحول إلى جملة من العوامل، من أبرزها الثورة الرقمية وانتشار التعليم الإلكتروني، والتوسع في إنشاء الجامعات، وازدياد فرص الابتعاث، وتيسير الالتحاق ببرامج الدراسات العليا داخل المنطقة وخارجها.

وقد أسهمت هذه المتغيرات في تعزيز الوعي بأهمية التأهيل العلمي، ورفع سقف الطموح الأكاديمي لدى الشباب والباحثين.

ولا شك أن هذا التطور يمثل مؤشرًا إيجابيًا إذا اقترن بجودة التعليم، وأصالة البحث العلمي، وتنمية القدرات البشرية.

 غير أن الزيادة في أعداد الحاصلين على الشهادات العليا لا تكفي وحدها للحكم على نجاح منظومة التعليم العالي؛ فالقيمة الحقيقية للشهادة الأكاديمية لا تُقاس بعدد الحاصلين عليها، وإنما بما تُحدثه من أثر في الفرد والمؤسسة والمجتمع.

 ومن هذا المنطلق يخطر في البال سؤال جوهري يستحق التأمل: هل نحن أمام نهضة علمية حقيقية تُنتج كفاءات قادرة على الإبداع والابتكار، أم أننا أمام تضخم في أعداد الشهادات لا يصاحبه نمو مماثل في الكفايات والإنتاج العلمي؟

إن هذا السؤال يكتسب أهميته من واقع يشير إلى أن الشهادة الأكاديمية أصبحت، في بعض البيئات، غاية في ذاتها، بينما الأصل أن تكون وسيلة لإنتاج المعرفة وخدمة المجتمع. فهناك فرق كبير بين من يحمل شهادة الدكتوراه، ومن يحمل مشروعًا علميًا ورؤية إصلاحية، ويمتلك القدرة على تحليل المشكلات واستشراف الحلول.

 فالدكتوراه ليست لقبًا اجتماعيًا، ولا امتيازًا وظيفيًا فحسب، بل مسؤولية علمية وأخلاقية، ورسالة تتطلب البحث المستمر، والتفكير النقدي، والإسهام الفاعل في بناء المعرفة وصناعة التنمية.

 ومن المفارقات اللافتة أن بعض المجتمعات تشهد تزايدًا في أعداد حملة الدكتوراه، في الوقت الذي لا تزال تواجه تحديات واضحة، تتمثل في ضعف جودة التعليم، ومحدودية الإنتاج البحثي المؤثر، وضعف توظيف نتائج البحوث في معالجة المشكلات التربوية والاقتصادية والاجتماعية.

ولو كانت الشهادات وحدها كافية لصناعة النهضة، لكانت هذه المجتمعات قد تجاوزت كثيرًا من تحدياتها منذ زمن.

إلا أن التجارب الدولية تؤكد أن التنمية الحقيقية ترتبط بجودة الكفاءات، وفاعلية المؤسسات، وقوة البحث العلمي، أكثر من ارتباطها بارتفاع المؤشرات الكمية للخريجين.

وانطلاقًا من ذلك، لا يزال الواقع التربوي في كثير من دول القرن الإفريقي يواجه تحديات كبيرة، من أبرزها ضعف مخرجات التعليم، وحاجة المناهج إلى مزيد من التطوير والتحديث، ومحدودية البحوث المرتبطة باحتياجات المجتمع، وضعف الاستثمار في الابتكار والبحث التطبيقي.

 وتكشف هذه التحديات أن الفجوة الحقيقية ليست في عدد الشهادات، وإنما في كيفية توظيف المعرفة وتحويلها إلى قيمة مضافة تسهم في تنمية المجتمع.

 ويزداد هذا التحدي وضوحًا في ظل الثورة الرقمية التي غيّرت مفهوم التعلم، وجعلت الوصول إلى المعلومات أكثر سهولة من أي وقت مضى.

فلم يعد الباحث يواجه الصعوبات نفسها التي كانت تعترض طريقه قبل عقدين أو ثلاثة عقود.

 ومع ذلك، فإن سهولة الوصول إلى المعلومات لا تعني سهولة إنتاج المعرفة؛ فالمعلومات متاحة للجميع، أما المعرفة فهي ثمرة التحليل، والنقد، والتركيب، والإبداع.

ولهذا السبب، لم تعد المجتمعات المعاصرة تبحث عن أصحاب الشهادات بقدر ما تبحث عن أصحاب الكفايات.

 فالمؤسسات الناجحة تحتاج إلى من يمتلك التفكير الناقد، والقدرة على العمل الجماعي، والقيادة، والابتكار، وحل المشكلات، والتكيف مع المتغيرات، أكثر من حاجتها إلى ألقاب أكاديمية لا يرافقها أداء متميز أو أثر ملموس.

 ومن هنا يتضح الحاجة إلى إعادة النظر في وظيفة الجامعة ورسالتها؛ فلا ينبغي أن تقتصر على منح الشهادات، بل يجب أن تتحول إلى مؤسسة تصنع الكفاءات، وتُخرِّج باحثين قادرين على الإسهام في التنمية.

كما ينبغي أن تتحول رسائل الماجستير والدكتوراه من بحوث تُحفظ في رفوف المكتبات إلى مشروعات علمية تسهم في تطوير التعليم، وتحسين الإدارة، ودعم الاقتصاد، وخدمة المجتمع، ومعالجة القضايا الوطنية.

 إن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الباحث منتجًا للمعرفة لا مستهلكًا لها، وعندما تتحول الجامعة إلى بيت خبرة يقدم المعرفة لصناع القرار، ويربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع ومتطلبات التنمية.

 فالعالم اليوم لا يقيس مكانة الجامعات بعدد خريجيها فحسب، بل بجودة أبحاثها، وحجم تأثيرها في التنمية، وعدد براءات الاختراع، ومدى إسهامها في الابتكار وحل المشكلات. ومن هذا المنظور، فإن القرن الإفريقي بحاجة إلى ثورة في جودة التعليم بقدر حاجته إلى التوسع في التعليم العالي.

وهو بحاجة إلى باحثين يمتلكون الجرأة على طرح الأسئلة الكبرى، والقدرة على إنتاج معرفة أصيلة، والإخلاص في خدمة أوطانهم، بعيدًا عن ثقافة التفاخر بالألقاب أو تحويل الشهادة إلى غاية مستقلة عن رسالتها.

وفي الختام، فإن مستقبل المنطقة لن تصنعه كثرة حملة الدكتوراه وحدها، وإنما تصنعه العقول التي توظف العلم في خدمة الإنسان، وتحول المعرفة إلى تنمية، والبحث العلمي إلى حلول، والأفكار إلى مشروعات، والكفايات إلى إنجازات.

فالأمم لا تُقاس بعدد الشهادات المعلّقة على الجدران، وإنما بعدد العقول التي تُضيء طريق المستقبل وتصنع نهضته.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا أمام الجامعات وصناع القرار: هل نريد أن نُخرِّج مزيدًا من حملة الشهادات، أم نريد أن نبني جيلًا من العلماء والمبدعين وصُنّاع المعرفة القادرين على قيادة التنمية في القرن الإفريقي؟

 وأرى أن هذا السؤال لا يتعلق بمستقبل الجامعات وحدها، بل بمستقبل التنمية في المنطقة بأسرها؛ لأن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تمنح الشهادات والدرجات العلمية، وإنما هي أحد أهم محركات بناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وتنمية الكفايات، وصناعة المستقبل.

 ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على تزايد أعداد حملة الشهادات العليا فحسب، بل على مدى قدرتهم على تحويل المعرفة إلى كفاءة، والكفاءة إلى أداء، والأداء إلى أثر تنموي ملموس.

 ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كم جامعة لدينا؟ وكم من حملة الدكتوراه تخرّجنا؟

وإنما: ماذا أنتجت جامعاتنا من معرفة؟

 وماذا صنعت من كفايات؟

وما الأثر الذي تركته في مسيرة التنمية؟

 فحين تتحول الجامعة من فضاءٍ لتراكم الشهادات إلى فضاءٍ لإنتاج المعرفة وبناء الكفايات وصناعة الحلول، يصبح التعليم العالي قوةً حقيقيةً للتنمية، ويصبح الاستثمار في الإنسان استثمارًا في مستقبل المنطقة بأسرها.

 

بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين -التربوي