تُعد مرحلة العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة من أهم المراحل في بناء شخصية الأبناء، فهي الجسر الذي يسبق المراهقة، وفيها تتشكل كثير من الملامح النفسية والاجتماعية التي ترافق الإنسان في مستقبل حياته.
ويؤكد الدكتور هاني عبد القادر، المتخصص في التربية، أن الطفل في هذه المرحلة يسعى إلى تكوين صورة إيجابية عن نفسه، ويبحث داخل أسرته عن الثقة والتقدير والمكانة، وهي احتياجات نفسية عميقة لا تقل أهمية عن حاجاته الجسدية.
ويشير إلى أن الولد يحتاج إلى أن يشعر بأن أسرته ترى فيه بوادر الرجولة، فتمنحه الثقة، وتكلفه بالمسؤوليات المناسبة لعمره، وتستمع إلى رأيه، وتشعره بأنه عنصر مهم في الأسرة.
فالثناء وحده لا يكفي، وإنما الذي يرسخ ثقته بنفسه هو اعتماد والديه عليه وإشعاره بأنه قادر على الإنجاز وتحمل المسؤولية.
أما البنت، فهي في حاجة إلى تقدير أنوثتها الناشئة بما يتوافق مع الفطرة والحياء، من خلال الثناء على أناقتها المحتشمة، ورقة مشاعرها، وذوقها، وحنانها.
كما تحتاج إلى أن تعيش في جو من الحب غير المشروط، لأن هذا الشعور يمنحها الأمان النفسي، ويحصنها – بإذن الله – من البحث عن القبول والاهتمام خارج نطاق الأسرة عندما تدخل مرحلة المراهقة.
وفي هذه السن يحرص الأبناء غالبًا على كسب رضا الوالدين ونيل ثقتهما، ولذلك يسعى كثير منهم إلى الطاعة وحسن السلوك.
ولهذا يسمي بعض المختصين هذه المرحلة بمرحلة الطاعة والاستجابة لرضا الوالدين، حيث يكون لكلمات الأب والأم أثر بالغ في تكوين شخصية الابن؛ فكلمة التشجيع تبني، وكلمة الإحباط قد تهدم ثقته بنفسه لسنوات طويلة.
ويحذر المختصون من أن حرمان الأبناء من الثقة والتقدير والمكانة داخل الأسرة قد يدفعهم إلى البحث عن هذه المشاعر خارج المنزل، مما قد يجعلهم أكثر عرضة للتأثر برفقة السوء أو السلوكيات الخاطئة، بحثًا عن القبول والانتماء.
كما أن هذا الحرمان قد ينعكس في صورة قلق دائم، أو ضعف في الشعور بالأمن، أو غيرة بين الإخوة، أو سلوكيات تهدف إلى لفت الانتباه وإثبات الذات.
ومن الوسائل العملية التي تساعد الوالدين على غرس الثقة في نفوس الأبناء: الإكثار من الثناء على أعمالهم الحسنة، وتعليمهم مهارات متنوعة كحفظ القرآن الكريم والرياضة والأعمال اليدوية، وإشراكهم في الحوار واستشارتهم في بعض الأمور، مع الاستماع إلى آرائهم باهتمام واحترام.
كما يُستحب تخصيص مكان في المنزل لعرض شهاداتهم وإنجازاتهم، والوفاء بالوعود معهم، واحترام خصوصياتهم، ومنحهم فرصًا للقيادة والمشاركة في المناسبات العائلية، وتعليمهم حسن إدارة المال والادخار والإنفاق، وتعريفهم بالفروق بين الذكر والأنثى وفق هدي الإسلام، وتدريبهم على تحمل المسؤولية والاعتراف بالخطأ، مع الحرص الدائم على التعبير عن محبتهم واحتضانهم وإشعارهم بأن هذه المحبة ثابتة لا ترتبط بالنجاح أو التفوق وحده.
وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في تعزيز الثقة بالنفس من خلال الثناء على أصحابه وإبراز مميزاتهم، فقال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح»، كما كان يحترم الصغار ويقدر حقوقهم، وهو منهج تربوي عظيم في بناء الشخصية.
وفي المقابل، يحذر الدكتور مأمون المبيض في كتابه «أولادنا من الطفولة إلى الشباب» من العبارات السلبية التي تتكرر على ألسنة بعض الآباء والمربين، مثل: «لماذا لا تكون مثل أخيك؟»، و «أنت ولد مشاغب»، و«أخوك أفضل منك»، و«أنا لا أحبك».
فمثل هذه الكلمات تحمل رسائل محبطة، وتضعف ثقة الأبناء بأنفسهم، وتهز انتماءهم للأسرة، بينما الأولى أن تُستبدل بكلمات تشجيع ومحبة وتقدير تبعث في نفوسهم الطمأنينة والأمل.
إن الأسرة التي تمنح أبناءها الثقة، وتقدر جهودهم، وتحترم شخصياتهم، وتغمرهم بالمحبة، تضع الأساس المتين لعبورهم مرحلة المراهقة بثبات واتزان. فالثقة، والتقدير، والمكانة داخل الأسرة ليست مجرد احتياجات عابرة، بل هي الركائز التي تُبنى عليها شخصية واثقة، ونفس مطمئنة، وإنسان قادر على مواجهة تحديات الحياة بإذن الله.
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر