أخطر المخاطر: عدم تحمّل المسؤولية تُعدُّ مرحلة العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة من أهم المراحل في بناء شخصية الأبناء؛ ففيها تتشكل ملامح الاستقلال، وتنمو الثقة بالنفس، ويبدأ الطفل بالتهيؤ لتحمل واجباته الدينية والاجتماعية.

 وقد سبق أن بينّا أن من أهم احتياجات هذه المرحلة الشعور بالثقة والتقدير والمكانة داخل الأسرة، ولذلك فإن من أخطر ما يهدد أبناء هذا العمر عدم تدريبهم على تحمّل المسؤولية؛ لأن ذلك يضعف ثقتهم بأنفسهم، ويجعلهم اتكاليين يعتمدون على غيرهم في شؤون حياتهم.

ولكي يقف كل أب وأم على مستوى نجاحهما في هذا الجانب، يمكن إجراء اختبار بسيط يقيس مدى تدريب الأبناء على تحمل المسؤولية.

أولًا: اختبار لمن لديه ابن أجب بـ(نعم) أو (لا) عن الأسئلة الآتية: هل يستطيع ابنك ارتداء ملابسه بنفسه؟

 هل يمتلك ساعة منبه يستيقظ عليها صباحًا؟ هل يختار ملابسه وألوانها بنفسه؟

 هل يستطيع شراء بعض الخضراوات أو الفواكه؟

هل تعطيه مصروفه أسبوعيًا أو شهريًا ليتعلم إدارة ماله؟

هل تضمه إلى صدرك وتخبره أنك تحبه أو تعلن محبتك له أمام الآخرين؟

 هل ينجز واجباته المدرسية بنفسه في الغالب؟

 هل يحافظ على الصلاة دون تذكير في معظم الأحيان؟

 هل سبق أن اشترى لأمه هدية من ماله الخاص؟

 هل حاول إصلاح قطعة أثاث أو جهاز بسيط في المنزل؟

 تقييم النتيجة إذا كانت إجاباتك بـ(نعم) في ثمانية أسئلة فأكثر، فأنت تسير في الطريق الصحيح في تدريب ابنك على تحمل المسؤولية.

 أما إذا كانت بين خمسة وسبعة، فهناك مستوى متوسط يحتاج إلى مزيد من العناية.

وإذا كانت أقل من خمسة، فهناك احتمال أن ينشأ الابن اتكاليًا ضعيف الاعتماد على نفسه، مما يستدعي مراجعة الأسلوب التربوي. ثانيًا: اختبار لمن لديها ابنة أجيبي بـ(نعم) أو (لا) عن الأسئلة الآتية: هل تبحثين عن حذاء ابنتك وتقدمينه لها كلما أرادت الخروج؟

هل ترتبين سريرها بنفسك؟ هل ترفعين ملابسها من الأرض وتعلقينها دائمًا؟

 هل تمنعينها من استخدام المكواة خوفًا عليها؟ هل تغسلين وجهها وتذكرينها دائمًا بتنظيف أسنانها؟

 هل تنزعجين إذا حاولت استخدام مفك البراغي أو تثبيت شيء في المنزل؟

هل تختارين لها ألوان ملابسها وأشكالها غالبًا؟ هل تمنعينها من ارتداء الحجاب إذا رغبت في ذلك؟

هل تمنعينها من مساعدتك في إعداد الطعام خوفًا على دراستها؟ هل تعطينها المال كلما طلبته دون ضوابط؟ تقييم النتيجة إذا كانت معظم الإجابات بـ(لا)، وبخاصة في ثمانية أسئلة فأكثر، فهذا يدل على أنك تمنحين ابنتك فرصًا جيدة لتحمل المسؤولية.

 أما إذا تراوحت الإجابات بين خمسة وسبعة، فالتدريب متوسط ويحتاج إلى دعم أكبر.

وإذا كانت أقل من ذلك، فهناك خشية أن تنشأ الابنة معتمدة على غيرها، ضعيفة الثقة بقدراتها.

 بعد هذين- الاختبارين يستطيع كل واحد منا أن يقيّم أسلوبه في تربية أبنائه، وأن يدرك مدى نجاحه في إعدادهم لتحمل مسؤوليات الحياة.

إن الإنسان المسؤول هو إنسان ناضج، يضبط سلوكه، ويتحمل نتائج أفعاله، ويتقبل المحاسبة عليها، ويتمتع بتقدير إيجابي لذاته، ويقيم علاقات اجتماعية ناجحة.

وتحمل المسؤولية ليس صفة فطرية فحسب، بل هو مهارة تُكتسب بالتدريب والممارسة، وتبدأ جذورها منذ الطفولة، وتتأكد بصورة أوضح في مرحلتي السابعة إلى التاسعة، ثم العاشرة إلى الثانية عشرة.

ويؤكد الخبير التربوي عدنان السباعي في كتابه الصحة النفسية للمراهقين والشباب هذه الحقيقة بقوله: «من العبث أن نتوقع تكوين شخصية مسؤولة قادرة على خدمة الآخرين عند طفل لم يُمنح الحب والاعتبار والتقدير الكافي لبناء شخصيته السوية.» فكلما أُتيحت للطفل فرصة مناسبة لتحمل المسؤولية، ازدادت ثقته بنفسه، ونمت شخصيته، وأصبح أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات الحياة.

 ومن القواعد التربوية المهمة التي يجدر بالآباء والأمهات اعتمادها أن رغبة الطفل في القيام بعمل ما هي أفضل وقت لتعليمه تحمل المسؤولية، ما دام ذلك العمل مناسبًا لقدراته وسنه.

ولتحقيق هذا الهدف لا بد من تحقيق التوازن في التربية؛ توازن بين الحماية والإهمال، وبين التدليل والتشدد، وبين العطف والحزم.

فهذا الاعتدال هو الذي يصنع طفلًا واثقًا بنفسه، قادرًا على الاعتماد على ذاته.

 ومن الوسائل العملية لتدريب الأبناء على تحمل المسؤولية اتباع خمس خطوات أساسية: أخبر ابنك بما تريد منه أن يقوم به.

 أرشده إلى الطريقة الصحيحة لتنفيذه.

 دعه يجرب بنفسه.

راقب أداءه وشجعه على جهده. 

إذا أخطأ، فلا تُوبخه، بل وجّهه وامنحه فرصة جديدة حتى ينجح.

قصة وعبرة يُروى أن النسور تبني أعشاشها في أعالي الجبال، وتوفر لصغارها في بداية حياتها الرعاية والغذاء والحماية، ثم تبدأ تدريجيًا بتعويدها على الاعتماد على النفس، حتى يأتي اليوم الذي تدفع فيه صغيرها إلى الطيران، فتظل تراقبه، فإن عجز سارعت إلى إنقاذه، ثم تعيد المحاولة مرة بعد أخرى حتى يتقن التحليق.

 وهكذا تكون التربية الناجحة؛ فالمربي الحكيم لا يحبس أبناءه داخل دائرة الحماية، ولا يتركهم وحدهم، وإنما يمنحهم الفرصة، ويصاحبهم بالتوجيه والتشجيع حتى يصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم.

إن أخطر ما يواجه أبناء العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة هو عدم تدريبهم على تحمل المسؤولية؛ لأنه يضعف ثقتهم بأنفسهم، ويجعلهم عالة على غيرهم.

فإذا أردنا لأبنائنا أن يحلقوا عاليًا كتحليق النسور، فعلينا أن نعزز ثقتهم بأنفسهم، ونكلفهم بالمسؤوليات التي تناسب أعمارهم، ونشجعهم على النجاح فيها، ولا سيما أنهم يقتربون من سن التكليف الشرعي، فينبغي أن نعودهم على تحمل التكاليف الشرعية والالتزام بها، ليكونوا رجالًا ونساءً صالحين، نافعين لأنفسهم وأسرهم وأمتهم.

 

بقلم : عبد الرزاق حسن طبر