قد يثير هذا العنوان استغراب القارئ عند الوهلة الأولى؛ لأن لفظ «سُكارى» يرتبط في الاستعمال اليومي غالبًا بحالة فقدان الوعي الناتجة عن تناول الخمر أو المواد المسكرة.

 غير أن اللغة العربية، بما تمتاز به من ثراء دلالي واتساع في طرائق التعبير، لا تُفهم ألفاظها دائمًا بمعزل عن سياقاتها؛ فالكلمة الواحدة قد تتعدد دلالاتها بحسب السياق اللغوي، والمقام، ومقصد المتكلم، وطبيعة التجربة الإنسانية التي تحيل إليها.

ومن هنا، فإن الحديث عن السُّكر لا يلزم أن ينحصر في معناه الحسي المرتبط بالشراب، بل يمكن أن يتسع ــ في إطار القراءة التربوية والتأملية ــ ليشير إلى حالات تغيب فيها بصيرة الإنسان أو يختل فيها ميزان وعيه، حين يستولي عليه هوى، أو شهوة، أو مال، أو سلطة، أو تعصب، أو وهم، أو انشغال مفرط، حتى يصبح عاجزًا عن رؤية الأشياء على حقيقتها.

فقد لا يكون الإنسان فاقدًا لوعيه الحسي، لكنه قد يكون فاقدًا لقدرته على الرؤية النقدية؛ يرى ما يريد أن يراه، لا ما هو كائن بالفعل، ويبحث عما يؤكد قناعاته بدل أن يختبرها، ويبرر أخطاءه بدل أن يراجعها.

وهنا يتحول السُّكر من حالة جسدية عابرة إلى حالة معنوية تحجب البصيرة، وتضعف القدرة على المراجعة، وتمنح الوهم صورة الحقيقة.

أولًا: السُّكر في الرؤية القرآنية يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 1–2 ) يصف القرآن الكريم في هذا المشهد المهيب حال الناس بأنهم «سُكارى»، مع أنهم ليسوا سُكارى بالمعنى الحسي المعروف؛ وذلك تصويرًا لشدة الهول الذي يذهل الإنسان، ويزلزل وجدانه، ويضعف تماسك إدراكه أمام عظمة الموقف.

وهنا تبرز دلالة تربوية عميقة: قد يفقد الإنسان صفاء رؤيته وإدراكه ليس بسبب مادة خارجية فحسب، بل بسبب ما يستولي على وعيه من مؤثرات داخلية وخارجية.

 فالإنسان قد يكون حاضر الجسد، مفتوح العينين، قادرًا على الكلام والحركة، لكنه يعيش في الوقت نفسه حالة من الغفلة عن ذاته، وعن أخطائه، وعن أثر أفعاله في الآخرين.

وقد يعرف المعلومات، لكنه لا يمتلك البصيرة التي تمكنه من توظيفها؛ وقد يملك القدرة على التفكير، لكنه لا يمارس التفكير النقدي؛ وقد يسمع كثيرًا، لكنه لا يصغي؛ وقد يرى، لكنه لا يُبصر.

وهنا يتضح السؤال التربوي أكثر عمقًا: هل الوعي مجرد امتلاك للمعلومات، أم أنه القدرة على رؤية الذات والواقع والحقيقة رؤية متوازنة؟

 ثانيًا: الإنسان قد يُسكره ما يشغله ليس كل سُكر سببه الشراب؛ فهناك، في الاستعمال المجازي والتأمل التربوي، صور متعددة من السُّكر المعنوي، حين يستولي شيء ما على الإنسان إلى درجة يفقد معها قدرته على التوازن والمراجعة.

 1 ــ سُكر الهوى والرغبات: حين يصبح الإنسان تابعًا لرغباته وشهواته دون مراجعة أو ضبط، فقد تتحول الرغبة من حاجة طبيعية إلى قوة تقود قراراته وتوجه سلوكه.

وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة استعباد الهوى للإنسان، فقال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: 23) فالخطر لا يكمن في وجود الرغبات؛ فهي جزء من الطبيعة الإنسانية، وإنما يكمن في أن تتحول الرغبة إلى مرجع أعلى، فيصبح الإنسان تابعًا لما يريد، لا لما ينبغي، ويقيس الصواب بمدى موافقته لهواه.

 وعندما ينتصر الهوى على العقل والقيم، قد يرى الإنسان الخطأ صوابًا، ويجد لنفسه مبررات لما لا يستطيع تبريره لو نظر إلى الأمر بعين مجردة

2 ــ سُكر المال: المال نعمة، ووسيلة من وسائل عمارة الحياة، وتحقيق الكفاية، وخدمة الإنسان والمجتمع.

لكنه قد يتحول إلى غاية تستعبد صاحبه حين يصبح جمعه هو معيار النجاح الوحيد.

وقد قال تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾(الأنفال: 28 ) فالمشكلة ليست في امتلاك المال، وإنما في امتلاك المال للإنسان.

 وقد يظن الإنسان أنه يسيطر على ثروته، بينما تكون الثروة هي التي تتحكم في خياراته وقيمه وعلاقاته.

وعندما يصبح المال غاية تبرر الوسيلة، قد يُستباح من أجله الحق، ويُبرَّر به الظلم، ويُسوَّغ الغش، وتُختزل قيمة الإنسان في مقدار ما يملك.

3 ـــ سُكر السلطة والمكانة: قد يُسكر الإنسانَ المنصب، أو الشهرة، أو النفوذ، أو إعجاب الآخرين به والسلطة في أصلها مسؤولية، والمكانة أمانة، والشهرة اختبار.

 لكن الإنسان قد ينسى ذلك حين يتحول المنصب من وسيلة لخدمة الناس إلى وسيلة لإثبات الذات وإخضاع الآخرين.

ومن أخطر صور هذا السُّكر أن يفقد الإنسان القدرة على سماع النقد؛ فيحيط نفسه بمن يوافقه، ويبتعد عمن يصححه، حتى تصبح صورته عن نفسه أكبر من حقيقته.

وهنا تبدأ السلطة في صناعة وهم الذات بدل أن تصنع خدمة المجتمع.

4 ـــ سُكر التعصب والانتماء الضيق: الانتماء حاجة إنسانية طبيعية؛ فالإنسان يحتاج إلى الأسرة والمجتمع والثقافة والجماعة.

 لكن الانتماء يتحول إلى تعصب حين يصبح حاجزًا يحول دون رؤية الحق والعدل، وقد ينتصر الإنسان لقبيلته أو جماعته أو فكرته لمجرد أنها جماعته أو فكرته، حتى لو كان مخطئًا، ويهاجم الآخر لا لأنه مخطئ، وإنما لأنه آخر. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8 إن التربية الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن انتمائه، وإنما تعلّمه أن يجعل العدل أعلى من التعصب، والحقيقة أعلى من الولاء الأعمى، والإنسانية أوسع من الانتماءات الضيقة.

 5 ــ سُكر العالم الافتراضي: أصبح العالم الرقمي جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان المعاصر، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أدوات مهمة للتعلم والتواصل وتبادل المعرفة.

غير أن الإفراط في استخدامها قد يحول الوسيلة إلى غاية، ويجعل الإنسان يعيش في فضاء افتراضي يستهلك انتباهه ووقته ومشاعره.

 وقد يتحول الإنسان إلى أسير للإشعارات، وعدد الإعجابات، وتعليقات الآخرين، والمقارنات المستمرة، وتدفق الأخبار والصور والآراء.

 وهنا لا تكون المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في فقدان الإنسان قدرته على التحكم في استخدامها.

فالتكنولوجيا ينبغي أن تكون في خدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان تابعًا لإيقاعها المتسارع.

 6 ــ سُكر البحث عن صورة زائفة للذات: ومن أكثر أشكال السُّكر المعنوي خفاءً أن ينشغل الإنسان بصورة نفسه أمام الآخرين حتى ينسى حقيقته أمام نفسه.

 قد يسعى إلى القبول الاجتماعي بأي ثمن، أو يبالغ في الاهتمام بمظهره، أو يبني لنفسه شخصية افتراضية تختلف عن شخصيته الواقعية، أو يجعل قيمته رهينة برضا الآخرين عنه.

ومع مرور الوقت قد يصبح السؤال: «كيف يراني الناس؟» أهم من السؤال: «من أنا حقًا؟» وهنا يفقد الإنسان صلته بذاته؛ فيعيش طويلًا في محاولة إرضاء صورة صنعها الآخرون عنه، أو صورة صنعها هو لنفسه، بينما تظل حاجته الحقيقية هي أن يعرف ذاته، ويدرك نقاط قوته وضعفه، ويحدد قيمه، ويعرف رسالته في الحياة، فالإنسان قد ينجح في صناعة صورة عن ذاته، لكنه يفشل في بناء ذاته ... وللحديث بقية

 

بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي