أنت اليوم معزوم عندنا كثيراً ما نسمع هذه العبارة، وتعد من القيم والعادات المنتشرة في العالم كله، فهي ليست خاصة ببلد دون آخر.

 قد تتفاوت نسبة انتشارها من بلد إلى آخر، لكنها موجودة أينما ذهبت.

وهي ثقافة إسلامية قبل أن تكون اجتماعية، لأنها من أخلاقيات المجتمع المسلم.

 وقد تكون قيمة دينية عند البشر جميعاً باختلاف أديانهم.

وهي ثقافة محمودة، إذ تقوّي العلاقات بين الأفراد، وتزرع المحبة والمودة والألفة بين الناس.

 والإنسان يدعو الآخرين إلى الولائم بنوايا مختلفة: فمنهم من يقيمها لمنصب مهني جديد، ومنهم من يقيمها لرزقه بمولود، ومنهم من يقيمها لزواجه، وآخر يقيمها لنيله شهادة عليا، وآخر يقيمها تكريماً لزميل له... المهم أن النوايا تختلف.

 وأما من حيث التسميات، فهناك العديد من المسميات لأنواع كثيرة من الولائم.

 أنا شخصياً لدي سؤال حول هذا الفعل أو السلوك، إن صح التعبير، وهو ما قصدته من هذه الكتابة.

السؤال: من هم المدعوون إلى طعام الوليمة؟

وأنا هنا أعني المسلم الذي يدين بالإسلام ديناً. 

قفوا معي عند هذا الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَيُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» رواه مسلم.

والناس لا يذكرون من هذا الحديث إلا الفقرة الأخيرة منه فيقولون: «إجابة الدعوة واجب».

وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه: «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ».

من منكم رأى أو أقام - وكاتب هذه السطور معكم طبعاً - مأدبة طعام كان الحاضرون فيها من الفقراء فقط؟

 قد تكون المأدبة الوحيدة التي من الممكن أن ترى فيها فقيراً هي التي تقام عند الموت بقصد الصدقة، وهي لا تقاس بغيرها.

 بل إن الطبقات المتميزة لا تحضر مثل هذه الولائم المخصصة للتعازي.

 نحن مجتمع تسود وتغلب فيه العادات على الدين في معظم سلوكياته وثقافاته.

 تجد الوزير يعزم الوزراء، والطالب يعزم الطلاب، والأستاذ يعزم زملاءه... فـ»الطيور على أشكالها تقع»، وهكذا كل الأمم. والأدهى من ذلك كله، أن الفرد يكرم في عزومته أقرب الناس إليه صداقةً، بغض النظر عن مناصبهم ومهنهم المختلفة.

 في النهاية، ليس السؤال: هل نعزم الناس أم لا؟

 فالضيافة والكرم من أجمل العادات، ولكن السؤال الأهم: من نعزم؟

جميل أن نعزم الأهل والأصدقاء والزملاء، لكن الأجمل أن تتسع موائدنا لغيرهم، وخاصة لمن لا يجدون مثل هذه الدعوات كثيراً.

فالوليمة ليست طعاماً فقط، وإنما هي فرصة للمحبة والتقارب وإدخال السرور على الآخرين.

وقد يكون أجمل ضيف على مائدتك شخصاً لم يعتد أن يدعى إليها.

 لذلك، عندما نقول لأحدهم: «أنت اليوم معزوم عندنا»، فلنجعلها دعوة للفرح والمحبة، لا مجرد عادة نكررها.

 ولعل المشكلة أن معظم من يقيمون الولائم ينظرون إليها من باب تقوية العلاقات مع أشخاص معينين، من أهل أو أصدقاء أو زملاء أو أصحاب مكانة، وقليل منهم من يفكر في أن تكون وليمته ابتغاء مرضاة الله وإدخال السرور على من يحتاجها.

ولذلك لا نجد الفقراء حاضرين في كثير من موائدنا، مع أنهم أولى بأن نتذكرهم وندعوهم.

 

 بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة