المنهج قضيةٌ اجتماعيةٌ كبرى: ليست الحياة حركةً عشوائيةً تمضي بلا غاية، ولا سلسلةً من الأحداث المتناثرة التي تتعاقب من غير رابط أو نظام؛ بل إن المتأمل في الكون من حوله يدرك أن وراء هذا الوجود سننًا تضبط حركته، وقوانين تحكم انتظامه، ونظامًا دقيقًا تتفاعل في إطاره الموجودات، بحيث يؤدي كل عنصر وظيفته ضمن منظومة متكاملة. فالشمس تجري في نظام، والقمر يتحرك في نظام، وتعاقب الليل والنهار يجري وفق نظام، وتتابع الفصول، ونمو النبات، وتكاثر الكائنات، وحركة الأجرام، ودورة الماء، وسائر مظاهر الحياة؛ كلها شواهد على أن الكون لا يقوم على الفوضى، وإنما ينتظم وفق سنن وتقدير وتدبير.
ومن هنا يمكن النظر إلى المنهج لا بوصفه مجرد مجموعة من الخطوات والإجراءات التي يستخدمها الإنسان لإنجاز عمل معين، وإنما بوصفه مفهومًا أعمق يتصل بطريقة وجود الإنسان في الحياة، وكيفية تعامله مع ذاته، ومع الآخرين، ومع الكون الذي يعيش فيه.
فالمنهج، بهذا المعنى، ليس قضيةً مدرسيةً أو إداريةً أو علميةً فحسب، بل هو قضية إنسانية واجتماعية وحضارية كبرى؛ لأن المجتمع الذي يعيش بلا منهج يفقد القدرة على تنظيم حركته، وتحديد أولوياته، واستثمار موارده، وتحقيق أهدافه، ومراجعة مساره.
وإذا كان الكون قائمًا على سنن ونظم لا تختل إلا بإرادة الله تعالى، فإن الإنسان، بوصفه جزءًا من هذا الكون، لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن مفهوم النظام والمنهج.
فهو يتحرك داخل منظومة كونية أوسع منه، ويؤثر فيها ويتأثر بها، ويحتاج إلى أن يبني حياته الاجتماعية وفق قدرة من التنظيم والوعي والتخطيط؛ حتى يتحقق الانسجام بين حركته الإنسانية وبين السنن التي تحكم الوجود من حوله.
السؤال الذي يخطر في أذهاننا هو: إذا كان الكون يسير وفق سنن محكمة ومنهج رباني مقدَّر، فكيف ينبغي للإنسان والمجتمع أن يبنيا منهجهما في الحياة حتى لا تتحول الحركة الإنسانية إلى فوضى، ولا يتحول التخطيط إلى انفصال عن سنن الكون والحياة؟
إنه سؤال لا يتعلق بطريقة العمل فحسب، وإنما يتعلق بفلسفة الإنسان في الوجود، وبقدرته على الانتقال من العيش العفوي إلى العيش الواعي، ومن ردود الأفعال إلى صناعة الأفعال، ومن الفوضى إلى المنهج.
ــــ أولًا: المنهج ليس إجراءً… بل رؤية للحياة حين نستخدم كلمة «منهج»، فإن الذهن قد ينصرف مباشرة إلى المناهج الدراسية، أو طرق البحث العلمي، أو خطط العمل، أو البرامج التدريبية.
وهذه كلها صور صحيحة للمنهج، لكنها لا تستوعب دلالته الكاملة.
فالمنهج في جوهره هو الطريق المنظم الذي يسلكه الإنسان للوصول إلى غاية محددة وفق مبادئ وضوابط ومعايير واضحة.
ولذلك فإن كل عمل إنساني ناجح يحتاج، بصورة أو بأخرى، إلى منهج، سواء أكان صاحبه واعيًا بهذا المنهج أم كان يتحرك وفق خبرة تراكمية غير مصاغة في صورة قواعد مكتوبة. فالأسرة تحتاج إلى منهج في التربية، والمدرسة تحتاج إلى منهج في التعليم، والمؤسسة تحتاج إلى منهج في الإدارة، والباحث يحتاج إلى منهج في البحث، والدولة تحتاج إلى منهج في التنمية، والمجتمع يحتاج إلى منهج في بناء علاقاته وقيمه، والإنسان نفسه يحتاج إلى منهج في إدارة حياته.
وعندما يغيب المنهج، لا يعني ذلك أن الحياة ستتوقف؛ وإنما ستستمر الحركة، ولكنها قد تصبح حركةً مضطربةً، تفتقر إلى البوصلة، وتخضع للظروف الطارئة والانفعالات اللحظية.
ويمكن القول إن المشكلة ليست في أن يعيش الإنسان بلا حركة، وإنما في أن يتحرك بلا اتجاه؛ وليست في أن يعمل بلا توقف، وإنما في أن يعمل بلا غاية؛ وليست في كثرة الجهد، وإنما في غياب المنهج الذي يحول الجهد إلى أثر وهنا تظهر القيمة الاجتماعية للمنهج؛ لأن المجتمع لا يُبنى بمجرد كثرة الأفراد، ولا بكثرة الموارد، ولا بتراكم المؤسسات، وإنما بوجود رؤية مشتركة تنظم حركة هذه العناصر وتوجهها نحو غايات متفق عليها.
ـــــ ثانيًا: الكون مدرسةٌ كبرى في المنهج والنظام لو تأمل الإنسان في الكون لوجد أن أول درس يتعلمه منه هو درس النظام. فالكون لا يقدم لنا نموذجًا للفوضى، وإنما يقدم نموذجًا للتناسق والتوازن والتكامل.
قال تعالى: إِنَّا ﴿ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49 ) وقال سبحانه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: 5 ) وهذه الآيات تفتح أمام الإنسان أفقًا واسعًا للتفكير في معنى النظام والتقدير والسنن.
فالوجود من حولنا ليس مجالًا للعبث، وإنما هو مجال للتأمل واكتشاف السنن التي أودعها الله في الكون ومن هنا فإن الإنسان حين يضع منهجًا لعمله، أو ينظم مؤسساته، أو يخطط لمستقبل مجتمعه، فإنه لا يخترع فكرة النظام من فراغ، وإنما يتعامل مع مبدأ أصيل في بنية الوجود.
وهذا لا يعني أن الإنسان قادر على الإحاطة بالمنهج الرباني أو امتلاكه بصورة كاملة؛ فالله سبحانه وتعالى هو الخالق المدبر، والإنسان مخلوق محدود المعرفة والقدرة.
وإنما المقصود أن الإنسان مطالب بأن يتعلم من انتظام الكون قيم التخطيط، والانضباط، والتوازن، والتدرج، والتكامل، والسببية، والمسؤولية. فالمنهج الإنساني الرشيد لا يصادم سنن الحياة، وإنما يحاول فهمها والتعامل معها
ـــــ ثالثًا: الإنسان جزء من الكون وليس كائنًا منفصلًا عنه من الأخطاء الفكرية أن يتعامل الإنسان مع نفسه وكأنه يعيش خارج منظومة الكون، وكأن الطبيعة شيء منفصل عنه يمكنه أن يفعل بها ما يشاء دون حساب.
فالإنسان جزء من هذا الوجود، يتنفس هواءه، ويشرب ماءه، ويأكل من موارده، ويتأثر بمناخه، ويتحرك داخل قوانينه، ويخضع في حياته وجسده للعديد من السنن التي لا يستطيع تجاوزها.
وإذا كان الإنسان جزءًا من الكون، فإن حياته الاجتماعية لا يمكن أن تكون منفصلة عن السنن التي تحكم هذا الكون.
ومن هنا تظهر العلاقة بين المنهج الكوني والمنهج الاجتماعي. فالمنهج الكوني يقوم على الانتظام والتوازن والتفاعل، بينما يحتاج المجتمع الإنساني إلى أن يستفيد من هذه القيم في بناء حياته.
فإذا اختل التوازن في المجتمع، ظهرت مظاهر الخلل؛ وإذا تعطلت العلاقات بين مكوناته، ظهرت الصراعات؛ وإذا غابت القواعد المنظمة، انتشرت الفوضى؛ وإذا انفصل التخطيط عن الواقع، أصبحت الخطط مجرد وثائق لا تنتج أثرًا. إن المجتمع الذي يريد أن يبني مستقبله لا يكفيه أن يمتلك أهدافًا جميلة، بل يحتاج إلى منهج يحول الأهداف إلى خطوات، والخطوات إلى ممارسة، والممارسة إلى نتائج، والنتائج إلى مراجعة وتطوير، وهكذا يتحول المنهج من مفهوم نظري إلى ممارسة اجتماعية يومية.
رابعًا: المنهج قضية اجتماعية كبرى لماذا نقول إن المنهج قضية اجتماعية؟ لأن الإنسان لا يعيش منفردًا، ولأن معظم أعماله ذات أثر يتجاوز شخصه إلى الآخرين.
فطريقة الأب في تربية أبنائه منهج اجتماعي، وطريقة المعلم في تعليم طلابه منهج اجتماعي، وطريقة الموظف في أداء عمله منهج اجتماعي، وطريقة المسؤول في إدارة المؤسسة منهج اجتماعي، وطريقة المواطن في احترام النظام العام منهج اجتماعي.
وبذلك فإن المجتمع، في حقيقته، هو شبكة واسعة من المناهج الصغيرة التي تتفاعل فيما بينها. فإذا كانت هذه المناهج منضبطةً وواعيةً ومتسقةً، أنتجت مجتمعًا قادرًا على الحركة والتقدم أما إذا كانت متناقضةً أو مضطربةً أو قائمةً على ردود الأفعال، فإن المجتمع قد يتحرك كثيرًا، لكنه لا يتقدم بالضرورة.
وهنا ينبغي أن نميز بين الحركة والتقدم. فقد يتحرك المجتمع حركة واسعة، وتكثر فيه المشاريع والمؤسسات والبرامج والاجتماعات، لكنه يظل يعاني المشكلات نفسها؛ لأن الحركة لم تكن محكومة بمنهج واضح.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نعمل؟
وإنما كيف نعمل؟ ولماذا نعمل؟
وإلى أين نريد أن نصل؟
وما المعايير التي نقيس بها نجاحنا؟
وكيف نراجع أخطاءنا ونصحح مسارنا؟
وهذه الأسئلة هي جوهر التفكير المنهجي وللحديث بقية ........... منهجيّات... زاويةٌ تُضيء لك عالمَ المناهج وطرائق التدريس
بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي