التربية تشبه الزراعة؛ فالزارع الحكيم يعرف أن لكل بذرة وقتًا مناسبًا لغرسها، وأن اختيار الوقت الصحيح هو بداية الطريق نحو حصاد طيب.

 وكذلك المربي الناجح؛ فهو يختار لكل قيمة ومبدأ الوقت الذي يناسب عمر الطفل ومرحلة نموه، فيغرسها في نفسه بهدوء وتدرج حتى تصبح جزءًا من شخصيته وسلوكه.

ومن غرس في أوانه حصد خيرًا في الدنيا والآخرة، أما من أخّر الغرس أو قدّمه في غير وقته، فقد يفوته كثير من ثماره.

وتُعد مرحلة العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة من أهم المراحل التربوية في حياة الأبناء؛ ففيها يقتربون من سن التكليف، ويبدأون في الانتقال تدريجيًا من مرحلة الطفولة إلى مرحلة تحمل المسؤولية، ولذلك يحتاجون إلى تربية تجمع بين الرحمة والحزم، وبين الترغيب والترهيب، وبين التعليم النظري والتدريب العملي.

مرحلة الغرس قبل التكليف ينبغي للوالدين في هذه المرحلة أن يعوّدا أبناءهما على الطاعات والواجبات الشرعية بصورة تدريجية، حتى لا تأتي مرحلة التكليف وهم يشعرون أن العبادة عبء ثقيل أو أمر مفروض عليهم فجأة.

والهدف ليس مجرد أن يؤدي الطفل العبادة خوفًا من العقوبة، وإنما أن يتعلم تعظيم أوامر الله تعالى، ومحبة الطاعة، والالتزام بها عن اقتناع وإيمان.

 فكلما كان التدريب مبكرًا ومتدرجًا، كان الانتقال إلى مرحلة التكليف أكثر سهولة واستقرارًا.

ومن أهم ما ينبغي غرسه في هذه المرحلة: تعظيم الله تعالى، ومحبة أوامره، والمحافظة على الصلاة، وتعويد الأبناء على تحمل المسؤولية، وتعليمهم الآداب الإسلامية، وتدريبهم على الالتزام بالواجبات الشرعية بما يتناسب مع أعمارهم وقدرتهم على الفهم والاستيعاب.

 غرس الحجاب في نفوس الفتيات ومن أبرز القيم والتكاليف التي ينبغي إعداد الفتاة لها في هذه المرحلة الحجاب الشرعي، فهو عبادة وطاعة لله تعالى قبل أن يكون مظهرًا أو لباسًا.

قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾[الأحزاب: 59]. والحجاب في التصور الإسلامي فريضة وهوية، وهو من مظاهر العفة والحياء وصيانة المرأة، وليس مجرد ثوب يغطي الجسد.

ولذلك فإن تربية الفتاة على الحجاب ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة متكاملة تشمل الإيمان والأخلاق وحسن التعامل والحياء وغض البصر والبعد عن التبرج.

فلا يكتمل معنى الحجاب إذا انفصل عن السلوك والأدب؛ لأن المقصود تربية فتاة تعرف قيمة ما تفعله وتدرك أنه عبادة تتقرب بها إلى الله تعالى.

 القدوة أساس التربية من أكبر أسباب نجاح التربية القدوة الحسنة داخل البيت.

فالفتاة تتعلم من أفعال أمها أكثر مما تتعلم من كلماتها، وتراقب سلوكها حتى وإن لم يشعر الوالدان بذلك.

 فإذا رأت الأم محافظة على حجابها، معتزة به، ملتزمة بآدابها، نشأت ابنتها وهي ترى في الحجاب أمرًا طبيعيًا جميلًا ومحببًا.

أما إذا سمعت الفتاة كلامًا كثيرًا عن الحجاب، ثم رأت في واقع البيت تهاونًا به أو بالتبرج والآداب الإسلامية، فقد تتناقض الرسالة التربوية في ذهنها.

 ومن هنا فإن أفضل ما تقدمه الأم لابنتها هو أن تكون لها نموذجًا حيًا لما تريد أن تراه فيها.

كما أن من الخطأ الانتظار حتى تبلغ الفتاة ثم البدء بتدريبها على الحجاب فجأة؛ فالتربية الناجحة تقوم على التدرج والإعداد المبكر، حتى يصبح الالتزام أمرًا مألوفًا في حياتها. وسائل عملية لتدريب الفتاة على الحجاب أشار الأستاذ محمد سعيد مرسي في كتابه «فن تربية الأولاد في الإسلام» إلى عدد من الوسائل التربوية التي يمكن الاستفادة منها في هذا المجال، ومن أهمها: غرس محبة الله تعالى في قلب الفتاة، وتعويدها على امتثال أوامره بمحبة وشوق.

أن تكون الأم قدوة صالحة في حجابها وأخلاقها. ربط الفتاة بالصحبة الصالحة، وتشجيعها على مصاحبة الفتيات الملتزمات، وإلحاقها بحلقات القرآن والبيئات الصالحة.

تعويدها تدريجيًا على ارتداء الحجاب في المواقف المناسبة، مثل استقبال الضيوف والخروج من المنزل.

 إشراكها في اختيار لون الحجاب وشكله بما يناسب ذوقها، حتى تشعر أن لها دورًا في اختيار ما ترتديه.

 تعزيز ثقتها بنفسها، وإشعارها بأنها أصبحت فتاة كبيرة قادرة على تحمل المسؤولية.

 تعريفها بفضل الحجاب وآثاره الطيبة في الدنيا والآخرة، بأسلوب هادئ يناسب سنها ومستوى فهمها.

 الاهتمام بمظهرها داخل المنزل، حتى لا تشعر أن الالتزام يعني التخلي عن الجمال المباح. تقديم الهدايا المناسبة، مثل الأوشحة والأغطية الجميلة، والثناء عليها وتشجيعها عند ارتدائها. الاحتفاء بخطواتها الأولى نحو الالتزام في جو أسري مبهج، حتى يرتبط الحجاب في ذاكرتها بالفرح والاعتزاز لا بالخوف والإجبار.

التربية بالإقناع لا بالإكراه ومن أجمل ما يُروى في هذا الباب ما ذكره الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مذكراته، من حرصه على أن ترتدي ابنته الحجاب عن حب واقتناع، فاشترى لها خمارًا جميلًا نفيسًا رغم غلاء ثمنه، حتى ترتبط في نفسها صورة الحجاب بالجمال والاعتزاز، لا بالإجبار والضيق.

وكان لهذا الأسلوب أثر في حبها للحجاب وتمسكها به، ثم اقتدت بها أخواتها من بعدها.

 والدرس التربوي هنا أوسع من الحجاب نفسه؛ فالطفل عندما يشعر أن والديه يريدان له الخير، ويحترمان مشاعره، ويشرحان له الأسباب، ويقدمان له القدوة، يكون أكثر استعدادًا لقبول التوجيه والاستجابة له.

أما كثرة الأوامر والصراخ والعقاب، فقد تجعل الطفل ينفذ أمام والديه، لكنه قد لا يقتنع بالقيمة في داخله.

بين الرحمة والحزم لا تعني التربية بالرحمة ترك الأبناء دون توجيه، كما لا يعني الحزم استخدام القسوة.

 وإنما التربية المتوازنة هي أن يعرف الابن أن والديه يحبانه، وفي الوقت نفسه أن هناك حدودًا وقيمًا وواجبات ينبغي احترامها.

 وفي هذه المرحلة تحديدًا، يحتاج الأبناء إلى أن يشعروا بأنهم يكبرون وأن ثقة والديهم بهم تزداد، وأنهم أصبحوا قادرين على تحمل بعض المسؤوليات واتخاذ القرارات الصحيحة. وهنا يأتي دور الحوار؛ فبدل أن نقول للابن أو الابنة: «افعل لأنني قلت لك»، يمكن أن نشرح لهما: لماذا نفعل؟

 وما الحكمة من ذلك؟ وما أثر الطاعة في حياة الإنسان؟ فالحوار لا يلغي سلطة الوالدين، وإنما يجعل التربية أكثر عمقًا وأثرًا.

مرحلة لا ينبغي أن تضيع إن مرحلة العاشرة إلى الثانية عشرة ليست مجرد سنوات عابرة في عمر الطفل، وإنما هي مرحلة بناء وإعداد، وفيها تُغرس قيم ومبادئ قد ترافق الأبناء طوال حياتهم.

فإذا أحسن الوالدان استثمار هذه المرحلة، وغرسَا الإيمان والقيم، وقدّما القدوة الحسنة، وربطَا الطاعة بمحبة الله تعالى، ودرّبا أبناءهما على المسؤولية بالتدرج، نشأ الأبناء أكثر استعدادًا لمرحلة التكليف، وأقرب إلى الاستقامة والالتزام عن قناعة وإيمان.

 إن التربية الناجحة لا تنتظر المشكلة حتى تقع، وإنما تستعد لها قبل وقوعها، ولا تنتظر سن التكليف حتى تبدأ التعليم، بل تغرس وتدرّب وتربي منذ سنوات مبكرة.

فالغرس المبكر، والقدوة الصالحة، والحوار الهادئ، والتدرج في التربية، هي مفاتيح بناء جيل يعرف ربه، ويحترم قيمه، ويتحمل مسؤولياته، ويعتز بدينه وأخلاقه.

وهذا من أعظم ما يمكن أن يقدمه الوالدان لأبنائهما، ومن أعظم ما يدخرانه لأنفسهما في الدنيا والآخرة.

 

 بقلم : عبد الرزاق حسن طبر