استكمالًا لما سبق، نواصل في هذه الإضاءة تأملنا في...... ثالثًا: أخطر أنواع السُّكر هو سُكر الغفلة إن أخطر هذه الحالات ليست أن يخطئ الإنسان فحسب؛ فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وإنما الخطر الأكبر أن يفقد القدرة على إدراك خطئه.

 فالإنسان الذي يعرف ضعفه يستطيع أن يعالجه، والذي يدرك جهله يستطيع أن يتعلم، والذي يعترف بخطئه يستطيع أن يصححه.

أما الذي يظن أنه كامل المعرفة، دائم الصواب، مكتمل الرؤية، فإنه يغلق على نفسه أبواب التعلم والتغيير.

 ولهذا تُنسب إلى بعض الحكماء عبارة بليغة: (أشد الجهل أن يجهل الإنسان جهله) وهذه الفكرة تمثل أساسًا مهمًا في التربية؛ لأن بداية الوعي ليست أن نعرف كل شيء، وإنما أن ندرك حدود معرفتنا.

فالوعي الحقيقي لا يعني أن الإنسان لا يخطئ، بل يعني أنه يمتلك القدرة على أن يسأل نفسه: ـــــ هل يمكن أن أكون مخطئًا؟

ــــ هل أرى الحقيقة أم أرى ما أريد أن أراه؟ ـــــ هل أراجع أفكاري، أم أبحث فقط عما يؤكدها؟

 ــــ هل أستمع إلى النقد، أم أرفضه لأنه يزعج صورتي عن نفسي؟ إن الإنسان الذي يستطيع أن يطرح هذه الأسئلة على نفسه قد بدأ بالفعل رحلة الخروج من الغفلة.

 رابعًا: التربية وبناء الإنسان الواعي من هنا تتجاوز التربية وظيفتها التقليدية بوصفها عملية لنقل المعلومات والمعارف؛ فالتربية الحقيقية هي بناء إنسان قادر على أن يفكر، ويتأمل، ويسأل، ويراجع، ويوازن، ويختار، ويتحمل مسؤولية اختياراته.

 فالمتعلم لا يحتاج إلى أن يعرف «ماذا يفكر» فقط، بل يحتاج كذلك إلى أن يتعلم كيف يفكر، وكيف يراجع طريقة تفكيره، وكيف يميز بين الحقيقة والوهم، وبين الرأي والمعلومة، وبين القناعة والتعصب.

 Δ ــ والتربية التي تبني الإنسان الواعي هي التي تساعده على أن:

 1 ــ يعرف رغباته دون أن يصبح عبدًا لها

2 ــــ يمتلك المال دون أن يسمح للمال بامتلاكه

 3 ـــ يستخدم السلطة بوصفها مسؤولية لا امتيازًا

4 ــ يحب جماعته وانتماءه دون أن يظلم الآخرين

5 ــ يستخدم التكنولوجيا دون أن يصبح أسيرًا لها

6 ــ يثق بنفسه دون أن يتحول إلى الغرور

 7 ـــ يطوّر ذاته دون أن يفقد هويته وقيمه

 8 ـــ يستمع إلى النقد دون أن يشعر أن النقد إهانة

9 ــــ يعترف بجهله فيما يجهل، ويطلب العلم فيما يحتاج إليه

 10 ـــ يراجع أفكاره كلما ظهرت له معطيات جديدة

11 ـــ يفرّق بين ما يريده وما ينبغي أن يفعله يدرك أن الحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يريد، وإنما أن يمتلك القدرة على اختيار ما يستحق أن يفعله.

خامسًا: من سُكر الغفلة إلى يقظة الوعي ربما يكون أخطر ما يواجه الإنسان أن يعتاد الحالة التي يعيشها حتى لا يعود يشعر بأنها مشكلة.

 فالذي يعتاد الغضب قد يراه طبعًا، والذي يعتاد التعصب قد يسميه وفاءً، والذي يعتاد التبعية قد يسميها طاعة، والذي يعتاد المبالغة في الاستهلاك قد يسميها نجاحًا، والذي يعيش أسيرًا لصورة الآخرين عنه قد يسمي ذلك اهتمامًا بالذات.

وهنا تتجلى خطورة التطبيع مع الخطأ؛ إذ قد ينتقل الإنسان من مرحلة ارتكاب الخطأ إلى مرحلة تبريره، ثم إلى مرحلة الدفاع عنه، ثم إلى مرحلة اعتباره أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى مراجعة.

 ومن هنا تبدأ التربية الحقيقية: أن تجعل الإنسان قادرًا على رؤية ما اعتاد ألا يراه في نفسه.

فالتربية ليست مجرد أن نملأ عقل الإنسان بالمعلومات، بل أن نساعده على إزالة ما يحجب عنه الرؤية.

السؤال التربوي الأكبر التي تمثل جوهر المقال هو : ليست القضية أن نسأل فقط: من هو السكران؟

بل السؤال الأعمق من ذلك: ما الشيء الذي قد أسكرني عن رؤية الحقيقة؟

 ما الذي يستولي على تفكيري حتى لا أرى إلا ما أريد؟

 ما الذي يجعلني أرفض النقد؟

 ما الذي يدفعني إلى تبرير أخطائي؟

 ما الذي يجعلني أنحاز إلى جماعتي ولو كانت مخطئة؟

 ما الذي يجعلني أبحث عن إعجاب الآخرين أكثر من بحثي عن حقيقة ذاتي؟

وما الذي أستهلك فيه وقتي وطاقتي حتى أصبح غافلًا عن نفسي ورسالة حياتي؟

 إن هذه الأسئلة ليست أسئلة اتهام، بل أسئلة مراجعة ووعي وتربية. فقد يكون الإنسان مستيقظ الجسد، لكنه غائب الوعي؛ وقد يكون كثير الحركة، لكنه لا يعرف إلى أين يسير؛ وقد يمتلك كثيرًا من المعلومات، لكنه يفتقر إلى البصيرة؛ وقد ينجح في نظر الناس، بينما يعيش في داخله بعيدًا عن ذاته.

 ولذلك فإن أعظم رحلة تربوية ليست رحلة الانتقال من الجهل إلى المعرفة فحسب، وإنما رحلة الانتقال من الغفلة إلى الوعي، ومن التبعية إلى الاختيار، ومن الوهم إلى الحقيقة، ومن معرفة الأشياء إلى معرفة الذات.

فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يفتح عينيه؛ بل يحتاج أحيانًا إلى أن يُبصر وهنا تكمن رسالة التربية الكبرى: أن تساعد الإنسان على أن يرى نفسه كما هي، ويرى العالم من حوله كما هو، ثم يختار بوعيٍ ما ينبغي أن يكون عليه.

أسعد الله صباحكم بكل خير.

 

بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي