المراهقة في الميزان التربوي: من الطيش المزعوم إلى تحمّل المسؤولية قبل أن نُطلق على المراهقة أنها مرحلة أزمات، يجدر بنا أن نسأل: هل المشكلة في هذه المرحلة العمرية نفسها، أم في الطريقة التي ننظر بها إليها ونتعامل معها؟

 فكثير من الأحكام الشائعة جعلت من كلمة «المراهقة» مرادفًا للطيش والعناد والتمرد، حتى أصبح بعض الآباء يفسر كل خطأ يصدر من ابنه بهذه الحجة، وأصبحت بعض الأمهات تتساهلن مع أخطاء بناتهن بدعوى أنهن في سن المراهقة، بل إن بعض الشباب أنفسهم اتخذوا هذا الوصف مبررًا للتقصير والانحراف.

غير أن هذه الصورة ليست حقيقة مطلقة، بل هي نظرة تحتاج إلى مراجعة.

إن المرحلة الممتدة من الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة تعد من أهم مراحل بناء شخصية الإنسان، ففيها ينتقل الفتى والفتاة من الطفولة إلى البلوغ، ومن مجرد التلقي إلى تحمل المسؤولية.

وهي بداية مرحلة التكليف الشرعي، التي يصبح فيها الإنسان مطالبًا بأداء الواجبات الدينية وتحمل نتائج أفعاله، ولذلك فإنها ليست مرحلة ضعف، وإنما مرحلة إعداد وصناعة للمستقبل.

 ويفرّق المختصون بين البلوغ والمراهقة؛ فالبلوغ يتعلق بالتغيرات الجسدية، بينما تشمل المراهقة إلى جانب ذلك التغيرات النفسية والعقلية والاجتماعية، وهي مرحلة تتشكل فيها الشخصية وتبرز فيها القدرات والمواهب إذا وجدت التوجيه الصحيح والبيئة الصالحة.

وعندما نرجع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، نجد صورة مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسختها بعض النظريات الحديثة.

فقد وصف الله أصحاب الكهف بأنهم ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، وكان إبراهيم عليه السلام فتىً حين واجه قومه وحطم أصنامهم، وكان إسماعيل عليه السلام في مقتبل شبابه عندما استجاب لأمر الله مع أبيه، كما كانت مريم عليها السلام نموذجًا للطهر والعبادة وهي في ريعان شبابها.

وفي قصة أصحاب الأخدود كان الغلام المؤمن سببًا في هداية أمة بأكملها، وهو ما يؤكد أن الشباب قادرون على حمل الرسالة وصناعة التغيير.

وسار صحابة رسول الله ﷺ على هذا النهج، فكان كثير منهم يتحمل المسؤوليات الكبرى وهو في مقتبل العمر.

 فقد أجيز عبد الله بن عمر رضي الله عنهما للمشاركة في غزوة الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، وأصبح عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من كبار علماء الأمة وهو لا يزال شابًا، كما برز معاذ بن جبل رضي الله عنه في العلم والدعوة وهو في سن مبكرة.

وهذه النماذج تثبت أن الشباب ليسوا عبئًا على الأمة، بل هم طاقتها المتجددة ورصيدها الحقيقي.

أما الصورة السلبية التي انتشرت عن المراهقة، فقد تأثرت إلى حد كبير ببعض الدراسات النفسية الغربية التي أُجريت في بيئات تختلف في قيمها وأخلاقها عن المجتمعات الإسلامية.

 فقد وصف بعض الباحثين هذه المرحلة بأنها فترة صراعات وعواصف نفسية، ثم انتقلت هذه الأفكار إلى مجتمعات أخرى دون مراعاة للفروق الدينية والثقافية والاجتماعية.

 ولهذا فإن تعميم تلك النتائج على جميع المجتمعات لا يخلو من مبالغة.

 وقد عرف تاريخ المسلمين أجيالًا من الشباب الذين حفظوا القرآن، وطلبوا العلم، وتحملوا المسؤوليات، وأسهموا في نهضة أمتهم وهم في هذه السن.

وحتى في واقعنا اليوم، فإن فئة الشباب هي الأكثر حضورًا في حلقات القرآن، والمساجد، والبرامج العلمية والتطوعية، مما يدل على أن المراهقة ليست بطبيعتها مرحلة انحراف، وإنما قد تصبح كذلك إذا غاب التوجيه السليم وضعفت البيئة التربوية.

 ومن هنا فإن مسؤولية الآباء والأمهات لا تتمثل في الخوف من هذه المرحلة، بل في استثمارها.

فالشاب يحتاج إلى الثقة، والحوار، والتوجيه، وإشعاره بقيمته، كما يحتاج إلى من يحمّله المسؤولية تدريجيًا ويعينه على بناء شخصيته، لا إلى من يلاحقه بالاتهامات ويقنعه بأنه أسير لمرحلة لا يستطيع التحكم فيها.

 لقد بشّر النبي ﷺ بمنزلة عظيمة للشباب الصالح، فذكر من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «شاب نشأ في عبادة الله».

 وهذه البشارة تؤكد أن الإسلام ينظر إلى مرحلة الشباب بوصفها فرصة للعطاء والتميز، لا مرحلةً حتمية للانحراف.

إن المراهقة ليست مغرمًا كما يصورها البعض، بل قد تكون من أعظم مغانم العمر إذا أحسن الوالدان توجيه الأبناء، وأحسن الأبناء استثمار طاقاتهم.

فهي مرحلة بناء، واكتشاف للقدرات، والاستعداد لتحمل المسؤولية، ومنها تنطلق الشخصيات التي تصنع مستقبل الأسرة والمجتمع والأمة.

ولذلك فإن تغيير نظرتنا إلى هذه المرحلة هو الخطوة الأولى نحو تربية جيل واثق بنفسه، معتز بدينه، قادر على أداء رسالته في الحياة.

 

 بقلم : عبد الرزاق حسن طبر