عندما يتعامل الإنسان مع بعض مظاهر الحياة اليومية في المجتمع الصومالي، وفي بعض مجتمعات القرن الإفريقي عمومًا، قد يشعر أحيانًا بأن لغةَ التعامل قد أصابها شيءٌ من الجفاف؛ فالكلمات التي يُفترض أن تحمل الودَّ والاحترام قد تأتي جافةً وقاسية، والتعاملات التي ينبغي أن تقوم على الرفق وحفظ الكرامة قد تتحول إلى ممارساتٍ يغلب عليها التوتر والفظاظة وغياب الشعور بالآخر.

وتظهر هذه الصورة في سياقاتٍ متعددة من الحياة اليومية: في الأسواق، وبعض الخدمات الاجتماعية والمرافق الحكومية، ووسائل السفر ومواقف الانتظار، والمجالس والمقاهي، والمطاعم، وأماكن العمل، وفي كثير من المواقف التي تجمع الإنسان بالإنسان.

وليس المقصود هنا تعميم الحكم على المجتمع، أو إنكار ما فيه من صورٍ مشرقة للتكافل والكرم وحسن الضيافة، وإنما الوقوف عند ظاهرةٍ سلوكية تستحق التأمل: لماذا لا تتحول القيم التي نؤمن بها ونرددها إلى لغةٍ يومية في تعاملاتنا؟

وهنا يتبلور السؤال التربوي والفلسفي الذي نحن بصدد طرحه والتأمل فيه: ـــ من أين نستمدُّ أخلاقَ تعاملنا مع الآخرين؟

 أليس لدينا رصيدٌ دينيٌّ عظيم، ومنظومةٌ أخلاقيةٌ واضحة، وتراثٌ اجتماعيٌّ غني، وتجاربٌ حضاريةٌ متراكمة؟

 أليس في الإسلام من التوجيهات ما يجعل الرحمة والرفق والعدل والإحسان وحفظ الكرامة الإنسانية أصولًا في علاقة الإنسان بغيره؟

 أليس في الموروث الاجتماعي الصومالي من القيم النبيلة ما كان يجعل احترام الكبير، وإغاثة المحتاج، وإكرام الضيف، وحفظ الجار، ونصرة المظلوم، والتعاون بين أفراد المجتمع، جزءًا من هوية الجماعة وذاكرتها الأخلاقية؟

 إذا كان الأمر كذلك، فأين حدث الانفصال بين القيمة التي نعرفها والسلوك الذي نمارسه؟

 وأين تكمن الفجوة بين ما نعلّمه لأبنائنا وما يرونه في واقع الحياة؟

 ــ الأخلاق ليست معلوماتٍ محفوظة إن أخلاقيات التعامل ليست مجموعةً من الكلمات الجميلة التي نتبادلها، ولا عباراتٍ نرددها في المناسبات، ولا دروسًا أخلاقية تُحفظ ثم تُنسى عند مغادرة المدرسة أو المسجد.

 الأخلاق، في جوهرها، سلوكٌ متكرر، وموقفٌ يومي، وطريقةٌ في النظر إلى الإنسان والتعامل معه، فالابتسامة أخلاق، والصبر على الآخر أخلاق، واحترام الدور أخلاق، والوفاء بالموعد أخلاق، والاعتذار عند الخطأ أخلاق، وإتقان العمل أخلاق، وعدم استغلال حاجة الناس أخلاق، وحفظ كرامة الإنسان مهما كان موقعه الاجتماعي ــ أخلاقٌ كذلك، ولهذا فإن جفاف لغة التعامل ليس مجرد مشكلةٍ في اختيار الألفاظ، وإنما قد يكون مؤشرًا إلى خللٍ أعمق في منظومة التربية الاجتماعية؛ لأن الإنسان لا يتعامل مع الآخرين بلسانه فقط، بل يتعامل معهم بما استقر في داخله من تصوراتٍ وقيمٍ ومشاعر.

 وحين تصبح القسوة مألوفة، والفظاظة عادية، والاعتذار ضعفًا، والرفق سذاجةً، واحترام الآخر أمرًا ثانويًا، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: لماذا أصبح سلوكنا هكذا؟

بل ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى سؤالٍ أكثر عمقًا: كيف تكوّنت منظومة القيم التي أنتجت هذا السلوك؟

ـــ من أين يأتي الجفاف الأخلاقي؟

 قد لا يكون الجفاف الأخلاقي ناتجًا عن غياب القيم بالضرورة، وإنما عن ضعف انتقالها من دائرة المعرفة إلى دائرة الممارسة حيث يعرف الإنسان أن الرحمة فضيلة، لكنه لا يرحم؛ ويعرف أن الصدق قيمة، لكنه لا يلتزم به؛ ويعرف أن احترام الآخرين واجب، لكنه لا يحترمهم في ممارساته اليومية.

وهنا تظهر إحدى أكبر مشكلات التربية: ـــ الفجوة بين القول والفعل فالطفل الذي يسمع طوال الوقت عن الاحترام، ثم يرى والديه يسيئان إلى الآخرين، أو يسمع عن الصدق ثم يشاهد الكذب يُمارس أمامه، أو يتعلم عن الرحمة ثم يلاحظ القسوة في محيطه، لن يتعلم الأخلاق من الكلمات وحدها؛ بل سيتعلمها من النموذج الذي يراه أمامه.

إن الأجيال لا تتلقى الأخلاق من الكتب والمحاضرات فحسب، وإنما تلتقطها من تفاصيل الحياة: من طريقة الأب في الحديث مع الأم، ومن أسلوب المعلم في التعامل مع الطالب، ومن طريقة الموظف في استقبال المراجع، ومن سلوك البائع مع الزبون، ومن تعامل المسؤول مع المواطن، ومن طريقة الكبير في مخاطبة الصغير، ومن كيفية اختلاف الناس فيما بينهم.

 ولهذا فإن التربية الأخلاقية الحقيقية تبدأ عندما تصبح القيمة ممارسةً اجتماعيةً مرئية. ــ الإسلام: مرجعيةٌ أخلاقية تحتاج إلى أن تتحول إلى ممارسة حين نتحدث عن إصلاح أخلاقيات التعامل في المجتمع، فإن المرجعية الإسلامية لا ينبغي أن تُستحضر بوصفها مجموعةً من النصوص التي تُتلى، وإنما بوصفها منظومةً تربويةً متكاملة لصناعة الإنسان، فالإسلام لا يكتفي بأن يطلب من الإنسان أداء العبادات، بل يربط العبادة بأثرها الأخلاقي في حياة الناس.

فالرحمة، والعدل، والإحسان، والرفق، والتواضع، والأمانة، والصدق، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية؛ كلها قيمٌ تجعل علاقة الإنسان بالآخرين جزءًا من مسؤوليته الدينية والأخلاقية.

ومن هنا، فإن المشكلة ليست في ندرة النصوص أو غياب المرجعية، بقدر ما قد تكون في ضعف تحويل المرجعية إلى سلوكٍ يومي، فما قيمة أن نتحدث عن الرحمة إذا كان الإنسان يمارس القسوة في حياته اليومية؟

 ــــ وما قيمة الحديث عن الإحسان إذا كان التعامل في العمل أو السوق قائمًا على الاستغلال؟ـ

 ـــ وما قيمة الدعوة إلى حسن الخلق إذا كانت لغة الحوار بين الناس مشحونةً بالإهانة والتجريح؟

 إن التحدي الحقيقي ليس أن نعلّم الناس ما الأخلاق؟

 فحسب، بل أن نساعدهم على الانتقال من معرفة الأخلاق إلى ممارسة الأخلاق، ومن حفظ القيم إلى تجسيدها.

 ـــ وماذا عن الموروث الاجتماعي؟

 ولا ينبغي أن نغفل، في هذا السياق، عن الموروث الاجتماعي والثقافي؛ فالمجتمع الصومالي يمتلك رصيدًا تاريخيًا من القيم التي شكّلت جزءًا من بنيته الاجتماعية، مثل إكرام الضيف، وإغاثة المحتاج، واحترام الكبير، ورعاية الجار، والتكافل، والشجاعة، والوفاء، والتعاون.

 غير أن التراث، مثل غيره من مكونات المجتمع، يحتاج إلى قراءةٍ واعية؛ فليس المطلوب أن نعود إلى الماضي لمجرد أنه ماضٍ، ولا أن نرفض الموروث لمجرد أنه موروث، وإنما المطلوب أن نستخرج منه القيم الإنسانية النبيلة، ونربطها بمرجعيتنا الدينية، ونوظفها في بناء حاضرٍ أكثر إنسانية.

فالمجتمع الذي يفقد صلته بقيمه الأصيلة قد يجد نفسه أمام فراغٍ أخلاقي، والمجتمع الذي يقدّس الماضي دون أن يطوّر أدواته التربوية قد يعجز عن التعامل مع تحديات الحاضر.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى بناء منظومةٍ أخلاقيةٍ معاصرة تستفيد من المرجعية الإسلامية، وتستثمر القيم الاجتماعية الأصيلة، وتستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات الحياة الحديثة ومفاهيم المواطنة والاحترام والحقوق والمسؤولية. ــــ الأخلاق: مسؤوليةُ من؟

 ليس من العدل أن نحمّل مؤسسةً واحدة مسؤولية إصلاح أخلاقيات المجتمع؛ فالأخلاق مشروعٌ اجتماعيٌّ متكامل تشترك في بنائه مؤسساتٌ متعددة.

فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل لغة التعامل، والمدرسة تحوّل القيم إلى ممارساتٍ تربوية، والمسجد والعلماء يضطلعون بدورٍ مهم في ترسيخ الوازع الديني والأخلاقي، والإعلام يصنع جزءًا من الوعي العام، ومؤسسات الدولة تستطيع أن تجعل احترام المواطن والإنصاف في تقديم الخدمة جزءًا من ثقافة العمل، كما أن المجتمع نفسه يملك قدرةً كبيرةً على مكافأة السلوك الإيجابي أو تطبيع السلوك السلبي.

 ولذلك فإن إصلاح الأخلاق لا يكون بكثرة المواعظ وحدها، وإنما يكون أيضًا بإعادة بناء البيئة التي يعيش فيها الإنسان. فالطفل يحتاج إلى أن يرى الاحترام قبل أن يسمع عنه، والموظف يحتاج إلى أن يجد نظامًا يكافئ الإتقان ويمنع الإهانة، والمعلم يحتاج إلى أن يكون نموذجًا لما يعلّمه، والمسؤول يحتاج إلى أن يدرك أن طريقة تعامله مع المواطن رسالةٌ تربوية قبل أن تكون إجراءً إداريًا.

 ـــ من لغة التعامل إلى ثقافة المجتمع إن لغة التعامل ليست مجرد ألفاظٍ عابرة؛ إنها مرآةٌ لثقافة المجتمع، فحين يسود الرفق في الحديث، يشعر الإنسان بالأمان، وحين يُحترم الضعيف قبل القوي، يشعر الناس بالعدل وحين تُحفظ كرامة المراجع في المؤسسة، تتحول الخدمة العامة إلى ممارسةٍ إنسانية .

 وحين يتعامل البائع مع زبونه بأمانة، يصبح السوق فضاءً للثقة، لا مجرد مكانٍ لتبادل السلع.وحين يتعلم الناس الاختلاف دون إهانة، يتحول التنوع إلى مصدرٍ للقوة، بدل أن يصبح سببًا للصراع ولهذا فإن تهذيب لغة التعامل ليس قضيةً هامشية، بل هو جزءٌ من مشروع بناء المجتمع، فالمجتمعات لا تنهض بالبنية المادية وحدها، ولا بكثرة المباني والمؤسسات والشهادات، وإنما تحتاج إلى إنسانٍ يستطيع أن يجعل لهذه المنجزات معنى.

وقد يكون المجتمع غنيًا بالموارد، واسعًا في مؤسساته، متقدمًا في بعض مظاهر الحياة، لكنه يظل يعاني ضعفًا في بنيته الإنسانية إذا غابت عنه ثقافة الاحترام والرحمة والمسؤولية.

ـــ أيُّ مجتمعٍ نريد أن نورثه للأجيال؟

وهنا يعود السؤال إلى نقطة البداية: أيُّ مجتمعٍ نريد أن نتركه للأجيال القادمة؟

 هل نريد مجتمعًا تتوارث فيه الأجيال خشونةَ التعامل، وارتفاعَ الصوت، وغيابَ الاعتذار، والاستخفافَ بالآخر؟

 أم نريد مجتمعًا تتوارث فيه الأجيال قيمةَ الإنسان، وكرامةَ الآخر، وحسنَ الكلمة، والرفقَ في المعاملة، والعدلَ في الموقف؟

 إن صناعة المستقبل لا تبدأ فقط من بناء المدارس والجامعات، ولا من تحديث المناهج والبرامج، وإنما تبدأ كذلك من إعادة بناء الإنسان الذي سيدخل تلك المؤسسات ويستخدم تلك المعرفة.

فلا يمكن أن نبني نهضةً حقيقية بعقولٍ متقدمةٍ وأخلاقٍ متراجعة، ولا أن نصنع مجتمعًا متماسكًا إذا كانت لغة التعامل بين أفراده تنتج التوتر بدل الثقة، والجفاء بدل الرحمة، والخصومة بدل التعاون.

إن إصلاح المجتمع يبدأ من حيث تبدأ الأخلاق: من الإنسان؛ من قلبه، ووعيه، وطريقة تفكيره، ولغة خطابه، وطريقة تعامله مع من حوله.

وحين يتعلم الإنسان أن وجوده في حياة الآخرين ينبغي أن يكون مصدرَ رحمةٍ لا مصدرَ جفاء، وأمانٍ لا خوف، واحترامٍ لا إهانة، وعطاءٍ لا استغلال، فإننا لا نكون قد حسّنا لغة التعامل فحسب، بل نكون قد بدأنا بالفعل في إعادة بناء الإنسان، ومن ثم إعادة بناء المجتمع.

 ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمامنا ليس فقط: من أين نستمدُّ أخلاقَنا؟

 وإنما أيضًا: كيف نحول هذه الأخلاق من قيمٍ نؤمن بها إلى سلوكٍ يراه الناس في حياتنا كل يوم؟

فهناك، في المسافة بين ما نؤمن به وما نمارسه، تبدأ الحكاية الحقيقية للتربية الأخلاقية.

 

 بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي