أهم المخاطر في هذه المرحلة تُعدُّ مرحلة الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة من أكثر المراحل حساسية في حياة الأبناء؛ ففيها تتشكل الميول، وتتبلور المواهب، وتبدأ الشخصية في الاستقلال والظهور. ومن أبرز الأخطاء التربوية التي يقع فيها بعض الآباء والأمهات أنهم يرسمون مستقبل أبنائهم وفق رغباتهم الشخصية، ثم يسعون إلى إلزامهم به، دون الالتفات إلى ما أودع الله في كل واحد منهم من استعدادات وقدرات وميول. والتربية الناجحة لا تقوم على فرض الأحلام، وإنما على اكتشاف مواهب الأبناء، وتنميتها، وتهذيبها، وتوجيهها نحو ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويعود بالنفع على مجتمعهم. وقد نبَّه الإمام ابن القيم الجوزية إلى هذه الحقيقة التربوية منذ قرون، فقال: «ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم المربي أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره مما كان مأذونًا فيه شرعًا؛ فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له.» ثم يبين أن المربي إذا رأى في الصبي حسن الفهم، وقوة الإدراك، وجودة الحفظ، وسرعة الاستيعاب، فهذه علامات تدل على استعداده للعلم، فينبغي أن يُغذَّى بهذا العلم حتى يترسخ في قلبه ويثمر. أما إذا ظهرت عليه ميول إلى الفروسية أو المهارات البدنية، أو برزت لديه موهبة في صناعة أو حرفة نافعة، فمن الحكمة أن يُوجَّه إلى ما يلائم فطرته، مع تعليمه ما يحتاج إليه من أمور دينه؛ لأن الناس يختلفون في قدراتهم واستعداداتهم، ولكل إنسان بابٌ يفتح الله له فيه. ولتقريب هذه الفكرة، تورد كتب التربية قصة رمزية مشهورة بعنوان «مدرسة الحيوانات». تحكي القصة أن الحيوانات قررت إنشاء مدرسة لمواجهة تحديات العالم الجديد، وجعلت منهجها موحدًا يشمل الجري، والتسلق، والسباحة، والطيران، وألزمت جميع الحيوانات بدراسة جميع المواد. كانت البطة متفوقة في السباحة، بل كانت أفضل من معلمها، وحققت نتائج جيدة في الطيران، لكنها كانت ضعيفة في الجري. فأُجبرت على التدريب المستمر على العدو، حتى أهملت السباحة، فتضررت قدماها، وانخفض مستواها في المجال الذي كانت تتفوق فيه. أما الأرنب، الذي كان أسرع الحيوانات في الجري، فقد أرهقته دروس السباحة حتى أصيب بالإنهاك. وكان السنجاب بارعًا في تسلق الأشجار، لكنه فقد كثيرًا من تميزه عندما أُجبر على تعلم الطيران بطريقة لا تناسب طبيعته. أما النسر، سيد الطيران، فقد عانى كثيرًا عندما أُلزم بتعلم السباحة. وفي نهاية العام، كانت السمكة الوحيدة التي استطاعت أن تسبح، وتجري قليلًا، وتتسلق قليلًا، وتطير قليلًا، فنالت أعلى الدرجات وألقت كلمة الخريجين! ورغم طرافة القصة، فإنها تحمل رسالة تربوية عميقة؛ إذ تذكّرنا بأن الخطأ ليس في ضعف الأبناء، وإنما في محاولة جعل الجميع نسخة واحدة، وإغفال الفروق الفردية التي خلقها الله بينهم. إن أبناءنا ليسوا متشابهين؛ فمنهم من يبرع في العلوم، ومنهم من يتألق في الرياضة، ومنهم من يبدع في الإدارة أو التجارة أو الصناعة أو الزراعة أو غيرها من المجالات. والمربي الحكيم لا يفرض على ابنه طريقًا رسمه هو، وإنما يساعده على اكتشاف الطريق الذي وهبه الله له، ثم يسانده حتى يبلغ فيه غايته. ومن هنا، فإن التربية الحقيقية تبدأ باكتشاف الموهبة قبل توجيهها، وبرعاية الاستعداد قبل تكليفه بما لا يناسبه، لأن تنمية القدرات الفطرية هي الطريق إلى الإبداع والتميز. وفي هذا السياق، يشير الدكتور إسماعيل عبد الكافي في كتابه «موسوعة النمو وتربية الطفل» إلى أن الذكاء ليس قدرة واحدة، وإنما هو مجموعة من القدرات المتنوعة. ويعرّفه بأنه القدرة على الاستجابة الفعالة للمواقف المختلفة، ويرى أن الله تعالى قد يهب الإنسان أكثر من نوع من الذكاء، مما يستوجب اكتشافه وتنميته وتسخيره في خدمة الدين والوطن والمجتمع. ومن أشهر أنواع الذكاء التي ذكرها الباحثون: * الذكاء اللغوي. * الذكاء المنطقي الرياضي. * الذكاء الحركي. * الذكاء الاجتماعي. * الذكاء الذاتي. * الذكاء الموسيقي. * الذكاء البصري. * الذكاء الطبيعي. إن مسؤولية الأسرة لا تقتصر على تعليم الأبناء، بل تمتد إلى اكتشاف مواهبهم، واحترام اختلافاتهم، وتهيئة البيئة التي تساعدهم على النمو والتميز. فالأمة لا تبنى بنسخ مكررة، وإنما تبنى بتنوع الطاقات، وحسن استثمار المواهب، ووضع كل إنسان في المكان الذي يستطيع أن يبدع فيه ويخدم به دينه ووطنه ومجتمعه. بقلم: عبد الرزاق حسن طبر