عندما تسمع «قوة الكلمة» يتبادر إلى ذهنك الكلام والألفاظ والجمل المنطوقة والملفوظة فقط، ولكن في الواقع هذه الكلمة التي سنتحدث عنها أعم وأوسع من هذا بكثير؛ لأنها تشمل الإشارات والإيماءات والتصرفات، وحتى المواقف والقرارات. فكل عنصر من هذه العناصر قد يقول كلمة واحدة فقط، ربما تكون أبلغ من سطور الكلمات والأحرف؛ فلا يكون من الضروري الكلام في حين تكون إشارة واحدة كافية للغرض، ولا نفع للخطاب ما دام الموقف حازمًا. تساؤلات حول الحياة والواقع في حياتنا ترى الناجح يقابله الفاشل، والعالم يقابله الجاهل، والمفكر يقابله الكسول. لذا من المحال ألا يتساءل الشخص: ما وراء كل هذا؟ وما سبب كل هذا التفاوت في الإنجازات؟ ألم يولد كلٌّ من العالم والجاهل بالعقل والجسد نفسيهما؟ ألم يكن المصدر واحدًا؟ أولم تكن، حتى في بعض الأحيان، البيئة واحدة والمجتمع كذلك؟ فما الذي جعل الخبير خبيرًا، والطبيب طبيبًا، والفاشل فاشلًا؟ فقد كانوا يومًا ما يلعبون معًا في الملعب نفسه، ويجلسون على المقعد نفسه في المدرسة، ومع ذلك ترى الفرق بينهم شاسعًا. توضيح وإجابة عن السؤال تشير بعض الدراسات في علم النفس والتربية إلى أن تكوّن شخصية الإنسان يبدأ في مراحله الأولى، وأن هذه الفترة قد يكون لها دور مهم في مستقبل ذلك الفرد؛ أي أن الإنسان إذا لم يحصل على تقدير لمجهوده، قلَّ أن يكون نافعًا في ذلك المجال. ولكن في مرحلة ما يكون الوالد أو المعلم أو أي جهة ذات تأثير في الشخص هو الفاعل الأهم في تكوين الفرد، وهذه المرحلة هي مرحلة التحفيز والدعم. فالطفل عندما يقوم بإنجاز ما، يقوم بتحليل النتائج تلقائيًا، حيث تكون عبارة عن أسئلة يوجهها لنفسه: هل ما قمت به يُعد إنجازًا عظيمًا؟ هل قمت بما لا يستطيع أقراني القيام به؟ هل حظي عملي بالتقدير المستحق؟ هل هناك جهة معنية بهذا؟ وتكون الإجابة، والتي هي ردة فعلك تجاه ما قام به، هي الفاصلة والحاسمة. فالأصل أن الطفل ينتظر التقدير والمدح والثناء على اكتشافه واختراعه، ولكن إذا كان تعليقك حول هذه الخطوة تعليقًا سلبيًا، سواء كان كلامًا أو غيره من الإشارات والتعبيرات، فقد يستنتج الطفل من هذه الأشياء ما قد يكون سببًا لما لا تُحمد عقباه. فعندما لا تظهر مدى اهتمامك بهذا الأمر، ولا تعبّر له عن عظمة إنجازه، فأنت تقتل موهبة كانت قد تكون الأفضل في مجالها؛ لأنه سيشعر بعدم أهمية عمله، وأنه لا يفيد بشيء. وكيف يفيد أو يتقن شيئًا ما، ولم يحظَ ما كان يبدع فيه بالتقدير والاهتمام المنتظر؟ طبيعة الإنسان وتفكيره والإنسان بطبعه يحب التقدير لعمله، ويتأثر بكلام الناس. فالطبيب أصبح طبيبًا لأنه وجد الاهتمام والاحترام من الجهات المعنية به، ووجد الدعم الكامل، والتحفيز الدائم، والتقدير المناسب لعمله. والفاشل لم يفشل لأنه فاشل وحسب. لا! كل ما في الأمر أنه حُرم من هذا كله، ولم يحصل على جائزة عن أي عمل قام به، ولم يقل له أحد: لقد قمت بالكثير من الإنجازات العظيمة، بل وربما قوبل بالإحباط بدلًا من ذلك. أثر الدعم والتحفيز على الفرد ومن طرق التشجيع: المدح، وذكر محاسن إنجاز الشخص، وإظهار الاهتمام والانبهار بعمله. وقد لا تكون الجائزة ثمينة، ولكن بمجرد اسمها ومناسبتها يشعر الشخص بالرضا عن عمله. وربما مجرد كلمة محفزة يعبّر بها الشخص عن مدى إعجابه بما قام به الآخر من ابتكار، هي التي قد تصنع قائدًا يكون مثلًا لأقرانه، مما يؤدي إلى عمل تاريخي لا مثيل له. الكلام: أقوى سلاح؟ الكلام كالسيف ذي الحدين؛ إما أن تستخدمه للخير أو أن تستخدمه للشر. وربما لا يقصد الشخص أن يجرح بكلامه أحدًا، ولكنه في الواقع يفعل ذلك لا شعوريًا. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن أكثر الناس تعرضًا للفشل في أي جانب من جوانب الحياة قد يكونون أكثر عرضة للإحباط وخيبة الأمل. ولهذا يحث العلماء المعلمين وأولياء الأمور على أن يكونوا على دراية بمدى قوة هذا السلاح، واستخدامه على الوجه المطلوب وليس العكس؛ فبمجرد التفوه بكلمة تحبط الشخص، قد تحطم مستقبل أمة كاملة، وبمجرد قول كلمة محفزة ودافعة، قد تصنع قائدًا يوجه الأمة نحو مستقبل مشرق. لأنه في النهاية، كلما كان المعلم والوالد ملهمًا، كان الشعب أكثر تطورًا وأكثر صلابة أمام الصعاب، وبالتأكيد يكون العكس «خطرًا داهمًا». بقلم : حسن علي وابري