نلاحظ في السنوات الأخيرة ظاهرةً لافتةً في إيصال الصدقات إلى المحتاجين؛ إذ أفرزت بيئةُ التواصل الرقمي أنماطًا جديدةً من ممارسة العمل الخيري، فانتقل بعضُ مشاهد الإحسان من دائرة المساعدة الهادئة إلى فضاء التصوير والنشر والتداول.

وهنا تبرز إشكاليةٌ تربويةٌ وأخلاقيةٌ ونفسيةٌ جديرةٌ بالتأمل: كيف يؤثر توثيق أعمال الإحسان ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في نية المتصدِّق، وكرامة المحتاج، والقيم التربوية المرتبطة بممارسة العمل الخيري؟

 متى يتجاوز توثيق الإحسان غايته المشروعة، فيتحول المحتاج من إنسانٍ تُصان كرامته إلى عنصرٍ في صناعة المشهد؟

 يشهد واقع الفقير المعاصر انتقالًا من سدِّ الحاجة إلى تسليع الألم؛ فالفقير في المنظور الإنساني ليس مجرد حالةٍ اجتماعية، ولا رقمًا في تقرير، ولا مشهدًا مؤثرًا يُستثمر لاستدرار التعاطف؛ وإنما هو إنسانٌ له مشاعره وخصوصيته، وله الحق في أن تُصان كرامته مهما كانت ظروفه الاقتصادية.

غير أن بعض الممارسات المعاصرة قد تدفع بالمحتاج إلى الظهور في صورةٍ تُبرز ضعفه وانكساره، ليصبح فقره جزءًا من «المحتوى» المتداول.

 وفي ظل تفاوت القوة بين المانح والمحتاج، قد لا يكون قبول الفقير بالتصوير تعبيرًا كاملًا عن حرية الاختيار؛ إذ قد تدفعه شدة الحاجة إلى القبول بما كان يمكن أن يرفضه لو كان في وضعٍ أكثر استقرارًا.

 وهنا تكمن الخطورة التربوية: حين تصبح معاناة الإنسان وسيلةً لصناعة التأثير، يتحول الألم من واقعٍ يحتاج إلى معالجة إلى مادةٍ تحتاج إلى جمهور.

 وبذلك تنتقل المساعدة من وظيفتها الأصلية، وهي رفع المعاناة وصيانة الإنسان، إلى وظيفةٍ أخرى قد تجعل من معاناة الفقير جزءًا من صورة المتبرع أو المؤسسة أو صانع المحتوى.

 ●الإحسان في التصور الإسلامي: العطاء وصيانة الكرامة إذا تطرقنا إلى التصور الإسلامي للإحسان، نجد أن تعظيم الإخلاص وصيانة كرامة المحتاج من الأولويات الأخلاقية التي أكدتها الشريعة الإسلامية؛ ولذلك جاء الحث على إخفاء الصدقة متى كان الإخفاء أبلغ في تحقيق المقصد وأبعد عن الرياء والأذى.

قال تعالى:﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271].

 فالآية لا تجعل إظهار الصدقة ممنوعًا بإطلاق، لكنها تجعل إخفاءها خيرًا، لما فيه من صيانة الإخلاص، وحفظ شعور الفقير، والبعد عن المنِّ والأذى.

وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ ذكر من السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».

 وهنا تتجلى فلسفة العطاء الصامت؛ فكلما قلَّ تعلق الإحسان بنظر الناس، اقترب من معنى العبادة، وكلما تحولت حاجة الفقير إلى وسيلة لإبراز فعل المتبرع، أصبح لزامًا على الإنسان أن يراجع دوافعه ووسيلته وأثر فعله في كرامة الآخذ.

● الستر منهج أخلاقي: ليس كل ما يُعرف يُنشر الستر في المنظور الإسلامي ليس موقفًا خاصًا بالصدقة، وإنما هو قيمة أخلاقية تتصل بطريقة تعامل الإنسان مع خصوصيات الآخرين وأعمالهم وأخطائهم.

 ففي ستر الصالحات معنى تربوي مهم؛ إذ إن بعض الأعمال تكون أقرب إلى الإخلاص كلما تحررت من طلب رؤية الناس وثنائهم، ولا سيما الأعمال التي لا تتطلب إظهارها لتحقيق مصلحة معتبرة.

وفي ستر السيئات صيانةٌ للمجتمع من إشاعة الفاحشة، وفتحٌ لباب التوبة والإصلاح، وحمايةٌ للإنسان من أن يتحول خطؤه إلى وصمةٍ دائمة.

ومن هذا المعنى يمكن فهم قيمة ستر الفاقة والحاجة أيضًا؛ فكما أن الإنسان لا يرغب في أن تُكشف عثراته للناس، فإنه لا ينبغي أن تُكشف حاجته بطريقةٍ تجعله موضع شفقةٍ علنية أو مادةً للتداول، إلا بقدر ما تقتضيه مصلحةٌ معتبرة، وبما يحفظ كرامته.

 فالأصل الأخلاقي ليس أن نُخفي الخير دائمًا، وإنما أن نسأل قبل إظهاره: هل يحتاج الخير إلى أن يُرى، أم أن الإنسان المحتاج يحتاج أكثر إلى أن يُصان؟

 ● كرامة الإنسان فوق ظروفه في كرامة الإنسان، يقرر القرآن أصلًا إنسانيًا عامًا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

فالكرامة هنا مرتبطة بإنسانية الإنسان، وليست امتيازًا يحصل عليه بسبب الغنى أو المكانة الاجتماعية.

 ولذلك لا يفقد الفقير حقه في الخصوصية والاحترام لمجرد حاجته إلى المساعدة. والصدقة في التصور الإسلامي ليست إذنًا بإذلال الآخذ، ولا رخصةً في كشف ضعفه، ولا وسيلةً لإشعاره بالدونية؛ بل هي إحسانٌ ينبغي أن يُؤدَّى بأدبٍ يحفظ للإنسان مكانته.

ولهذا حذّر القرآن من المنِّ والأذى في سياق الصدقات، فقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].

 ومن هنا، فإن المشكلة ليست في إظهار العمل الخيري من حيث الأصل؛ فقد تكون هناك حالات يكون فيها الإعلان عن المبادرة وسيلةً مشروعة لتشجيع الناس على الخير أو حشد الموارد للمحتاجين.

 وإنما المشكلة في أن يصبح كشف المحتاج نفسه شرطًا لصناعة المشهد أو إثبات صدق العطاء.

● المعالجة: من منظور إسلامي ونفسي وتربوي تحتاج هذه الظاهرة إلى معالجةٍ تتجاوز الوعظ المباشر إلى بناء وعيٍ أخلاقي جديد حول معنى الإحسان في العصر الرقمي. _

 أولًا: من المنظور الإسلامي ينبغي إعادة توجيه مفهوم الصدقة من إظهار الفعل إلى تحقيق المقصد؛ فالمعيار ليس مقدار ما شاهده الناس من العطاء، وإنما مقدار ما تحقق به من نفع، مع حفظ الإخلاص وكرامة الآخذ.

 ومن ثم، ينبغي أن يكون السؤال قبل التصوير والنشر: هل يحتاج نجاح هذه المبادرة إلى إظهار وجه المحتاج وحاله، أم يمكن تحقيق الغرض دون كشفه؟

 فإذا أمكن إيصال المساعدة، وإثبات الإنجاز، وحشد الدعم، دون إظهار هوية المحتاج أو ملامح ضعفه، كان ذلك أقرب إلى الستر وصيانة الكرامة. _

 ثانيًا: من المنظور النفسي إن تحويل الفقر والمعاناة إلى محتوى مرئي قد يرسخ لدى المتلقي نمطًا من التشييء النفسي؛ أي النظر إلى الإنسان بوصفه وسيلةً لتحقيق غرضٍ آخر، بدل النظر إليه بوصفه غايةً تستحق الاحترام.

 كما أن تكرار عرض صور الضعف قد يؤدي إلى تطبيع مشاهد الإذلال، ويجعل الجمهور يتعامل مع معاناة الآخرين بوصفها مادةً للاستهلاك العاطفي السريع، بدل أن تتحول إلى وعيٍ حقيقي بأسباب الفقر وسبل معالجته.

أما المحتاج نفسه، فقد يشعر بأن قيمته مرتبطة بمدى قدرته على استثارة التعاطف، أو أن عليه أن يكشف خصوصيته كي يحصل على المساعدة؛ وهو ما قد يترك آثارًا نفسية تمس احترام الذات والشعور بالاستقلالية.

_ ثالثًا: من المنظور التربوي المطلوب ليس إلغاء التوثيق، وإنما تربية الضمير الرقمي على التمييز بين توثيق الإنجاز واستعراض الإنسان.

 فيمكن توثيق المبادرة، وبيان عدد المستفيدين، وشرح أثر المشروع، وتصوير عملية العمل من غير كشف وجوه المحتاجين أو تفاصيل حياتهم الخاصة، متى لم تكن هناك ضرورة معتبرة لذلك.

وهنا يتحول العمل الخيري من صناعة «صورة المتبرع» إلى صناعة أثرٍ إنساني حقيقي.

 وليست قيمة الصدقة في عدد المشاهدات التي حصدتها، ولا في مقدار الإعجاب الذي نالته، ولا في الصورة التي صنعتها للمتبرع؛ وإنما في أثرها في حياة الإنسان، وفي مقدار ما حفظته له من كرامة.

 فإذا كان العطاء يرفع حاجة الفقير، فليكن كذلك رافعًا لكرامته؛ وإذا كان نشر العمل الخيري يشجع على الخير، فلا ينبغي أن يكون ثمن ذلك كشف إنسانٍ لا يملك إلا أن يقبل؛ لأنه محتاج.

إن أرقى صور الإحسان أن يشعر الفقير أنه أُعين دون أن يُهان، وأُكرم دون أن يُستعرض، وسُدَّت حاجته دون أن تُستثمر حاجته في صناعة المشهد.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم شخصًا رأى صدقتي؟ بل: هل خرج الإنسان الذي أعنته من حاجته أكثر كرامةً، أم خرج منها وقد دفع من خصوصيته واعتباره ثمنًا لعطائي؟ خلاصة القول: ووصيتي إلى الإخوة المنشغلين بإيصال المعونات إلى المحتاجين أن يعلموا أن كرامة الإنسان، مهما كانت ظروفه الاقتصادية والمعيشية، فوق الصدقة، فلا تُعرِّضوا المحتاج، في وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأيِّ موقفٍ يمسُّ كرامته أو ينتهك خصوصيته، مهما تكن المبررات.

وأقول للمتصدِّقين: فلا تُتعبوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى، ولا تجعلوا الإحسان سببًا في فضح المحتاج، أو كشف عورته، أو انتهاك خصوصيته.

كما يجب عليكم، قبل إيصال الصدقة إلى المحتاج، أن تستحضروا مقاصد الصدقة وغاياتها، وأن تتأملوا في معناها الإنساني والأخلاقي؛ فالصدقة ليست مجرد إعطاء مال، وإنما هي إحسانٌ يهدف إلى رفع الحاجة، وصيانة الكرامة، وحفظ الخصوصية، وجبر الخاطر. 

فاسألوا أنفسكم قبل العطاء: هل خرج الإنسان الذي أعنته من حاجته أكثرَ كرامةً، أم خرج منها وقد دفع من خصوصيته واعتباره ثمنًا لعطائي؟

إن الإحسان الحقيقي هو الذي يرفع عن المحتاج حاجته، ولا يرفع عنه ستره؛ ويجبر كسره، ولا يكسر كرامته؛ ويمنحه العون، ولا يجعله مادةً للتصوير والنشر والتداول.

 فاحفظوا للمحتاج كرامته، واستروا حاجته، واجعلوا صدقاتكم خالصةً من المنِّ والأذى والاستعراض.

 

 بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي-