أهم الاحتياجات في هذه المرحلة: الحاجة إلى الصحبة الصالحة تُعدُّ مرحلة السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة من أهم المراحل في حياة الإنسان؛ ففيها يقترب الشاب من اكتمال نضجه، وتتسع دائرة علاقاته الاجتماعية، ويبدأ في رسم ملامح شخصيته واستقلاله.

ومن أبرز احتياجات هذه المرحلة الحاجة إلى تكوين الصداقات، إذ يجد المراهق في جماعة الأصحاب ما يشبع حاجته إلى الاحترام والتقدير، وإثبات الذات، والشعور بالمكانة، كما يجد فيها متنفسًا للترويح عن النفس وقضاء أوقات الفراغ.

وقد أشار الدكتور إبراهيم وجيه محمود، المتخصص في العلوم النفسية والتربوية، في كتابه «المراهقة: خصائصها ومشكلاتها» إلى أن النمو الاجتماعي يبدأ منذ ولادة الطفل، حيث تكون علاقاته محصورة في والديه، ثم تمتد إلى أفراد الأسرة والأقارب والجيران.

 غير أن هذه العلاقات تبقى في إطار الأسرة وامتداداتها، بينما تشهد مرحلة المراهقة انتقالًا مهمًا؛ إذ يبدأ الشاب بتكوين علاقات خاصة خارج نطاق الأسرة، ويزداد ارتباطه بأقرانه، ويصبح ولاؤه لجماعة الأصدقاء أكثر وضوحًا.

وهذا التحول ليس أمرًا طارئًا أو دليلًا على التمرد، بل هو جزء طبيعي من النمو النفسي والاجتماعي.

فالمراهق يشعر مع أصحابه بالأمن والقبول، ويجد بينهم فرصة لإثبات ذاته، خاصة إذا أُسندت إليه مسؤولية أو حظي بمكانة داخل مجموعته، إضافة إلى ما توفره هذه الصحبة من الترفيه والتسلية.

 غير أن بعض الآباء لا يتقبلون هذا التغير، فيفسرون تعلق الابن بأصدقائه على أنه ابتعاد عن الأسرة أو خروج عن طاعتها، فيواجهونه بالشدة والمنع.

والواقع أن المطلوب ليس إلغاء هذه العلاقات، وإنما توجيهها وترشيدها؛ لأن القسوة في هذا الجانب قد تدفع الابن إلى أحد طريقين كلاهما خطير: الانحراف والجنوح، أو الكبت والانطواء.

 أيها الآباء، وأيها الشباب، إن أثر الصاحب في حياة الإنسان بالغ الأهمية.

وكثيرًا ما يقال: السر في صلاح الصالحين وفساد الفاسدين هو الصاحب.

 فما أكثر من حفظ القرآن بتشجيع صديق صالح، وما أكثر من تفوق في دراسته بفضل المنافسة مع رفيق مجتهد.

وفي المقابل، فإن كثيرًا من المدخنين تعرفوا إلى التدخين عن طريق أصدقائهم، وكثيرًا من المنحرفين كانت بداية انحرافهم رفقة السوء.

ولذلك كانت قضية الصحبة من أخطر قضايا التربية.

 وليس من قبيل المصادفة أن يكون أشرف لقب بعد النبوة هو لقب الصاحب، فقد بقي أبو بكر رضي الله عنه يفخر بأنه صاحب رسول الله ﷺ، وهو شرف لا يعادله شرف دنيوي.

ولهذا أجمع علماء التربية والسلوك على أن الصحبة الصالحة من أعظم وسائل الثبات والاستقامة، كما أن صحبة أهل الفساد من أكبر أسباب الانحراف.

 وكما لا يُجنى العنب من الشوك، فلا يُنتظر الصلاح من رفقة الفاسدين.

 ومن هنا تأتي مسؤولية الوالدين في تهيئة البيئة التي تساعد أبناءهم على اختيار الرفقة الصالحة.

فالقلوب بيد الله سبحانه وتعالى، ولا يستطيع أحد أن يزرع المحبة فيها، لكنه يستطيع أن يهيئ الأسباب؛ بالإكثار من مخالطة الصالحين والناجحين، وتقليل الاحتكاك برفقة السوء، فإن القلب لا يتعلق بمن لا يعرفه. 

ولهذا عقد الإمام النووي رحمه الله في كتاب «رياض الصالحين» بابًا بعنوان: «باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم، ومحبتهم، وطلب زيارتهم والدعاء منهم، وزيارة مواضع الخير»، وجمع فيه عددًا من الأحاديث الدالة على فضل صحبة الصالحين، ومنها قول النبي ﷺ: «أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرسل الله على مدرجته ملكًا... فقال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه».

رواه مسلم. ومن الوسائل العملية التي تعين على ربط الأبناء بالصحبة الصالحة: * اختيار السكن في بيئة يغلب عليها الصلاح وحسن التربية؛ فغالبًا ما يكون الجيران أول الأصدقاء. * اختيار مدرسة تُعرف بحسن أخلاق معلميها وطلابها؛ لأن المدرسة من أهم البيئات التي تتكون فيها الصداقات.