لا بدّ من الفتنة قبل العفّة يقول غازي عبد الرحمن القصيبي: «لا يمكن لإنسان أن يدّعي العفّة ما لم يتعرّض للفتنة».

كم من أشخاص كنا نحسبهم من أهل العفة والنزاهة قبل أن تختبر أخلاقهم، فلما ابتلوا بالمال أو بالنساء أو بالمنصب، ظهر منهم ما لم نكن نتوقعه.

ما أسهل النزاهة على الإنسان ما لم يعرض عليه المال، وما أسهل الأمانة ما لم توضع بين يديه أمانة يمكنه أن يخونها دون أن يراه أحد. لهذا، لا تتعجل في وصف نفسك بالعفيف أو الأمين أو النزيه.

فالأخلاق لا تثبتها الكلمات، وإنما تثبتها المواقف.

وقد يكون الإنسان صالحًا لأنه لم يجد فرصة للفساد، وأمينًا لأنه لم يجد ما يغريه بالخيانة، وعفيفًا لأنه لم يتعرض بعد للفتنة. والعفيف ليس من ينجح في اختبار واحد أو اختبارين، وإنما من يظل ثابتًا كلما تغيرت الظروف وتعددت المغريات.

 فالفتن لا تنتهي، وما إن يخرج الإنسان من اختبار حتى يدخل في اختبار آخر؛ قد ينجح في فتنة المال، ثم يختبر بالسلطة، وقد ينجح في فتنة الشهوة، ثم يختبر بالغضب أو الانتقام أو حب الظهور.

 ولم تظهر عفة يوسف عليه السلام إلا حين واجه الفتنة وهو قادر على الاستجابة لها، فاختار أن يخاف الله.

 وهنا يظهر الفرق بين من لا يفعل الخطأ لأنه لا يستطيع، ومن يستطيع فعله ثم يتركه ابتغاء مرضاة الله. وكذلك أمانة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم تكن مجرد صفة تقال عنه، وإنما ظهرت بوضوح حين أصبح المال العام والسلطة بين يديه.

فالمواقف الكبيرة لا تصنع الأخلاق بقدر ما تكشف ما كان مختبئًا منها. وهذا ينطبق على بقية الصفات.

فلا تدّع الشجاعة قبل أن تجد موقفًا يحتاج إليها، ولا تدّع العلم قبل أن يشهد لك علمك وعملك، ولا تدّع حسن الأخلاق قبل أن تظهر أخلاقك عندما تغضب، ولا تدّع التواضع قبل أن تصبح قادرًا على التكبر، ولا تدّع الأمانة قبل أن توضع في موقف تستطيع فيه أن تخون دون أن تكتشف.

إن الإنسان لا يعرف فقط بما يفعله عندما تكون الأمور سهلة، وإنما يعرف أكثر بما يختاره عندما تصبح أمامه فرصة حقيقية للانحراف.

 فالفتنة لا تكشف دائمًا فساد الإنسان؛ أحيانًا تكشف عفته، وأمانته، وشجاعته، وثباته.

ولهذا لا تسأل فقط: هل هذا الإنسان صالح؟

 بل اسأل: ماذا يفعل عندما تتاح له فرصة ألا يكون صالحًا؟

 

بقلم د. عثمان فريد، أستاذ الإدارة بالجامعة