اقتصاد الوقت وكلفة ما لا نراه هناك موارد نراها فنحسِبها: المال، والمباني، والمعدات، والموظفون.

وهناك مورد آخر لا يظهر عادة في قائمة الأصول، ولا يُخزن في مستودع، ومع ذلك قد يكون من أكثر الموارد تأثيرًا في كفاءة المؤسسة.

وهو فوق ذلك مورد لا يمكن استرداده إذا أُهدر، إنه الوقت.

نحسب تكلفة شراء الجهاز، وراتب الموظف، وتكلفة المشروع، لكننا أقل ميلًا إلى حساب تكلفة الانتظار؛ انتظار المواطن لخدمة، أو الموظف لموافقة، أو المسؤول لمعلومة، أو ملف يتنقل بين المكاتب دون أن يضيف انتقاله شيئًا إلى النتيجة.

ومع ذلك، فالدقيقة في المؤسسة ليست مجرد وحدة زمن، إنها وحدة اقتصادية أيضًا، وحين يضيع الوقت لا تصدر عنه فاتورة، لكنه يترك فاتورته في مكان آخر: في إنتاجية أقل، أو خدمة أبطأ، أو فرصة ضائعة، أو ضغط أكبر على الموظف والمستفيد معًا.

ومن هنا ربما يستحق الأمر سؤالًا مختلفًا: كم يكلفنا الوقت الذي لا نعتبره تكلفة؟ للوقت ثمن… حتى حين لا ندفع مقابله مالًا يعرف الاقتصاد مفهومًا بسيطًا وعميقًا هو تكلفة الفرصة البديلة:فما نستهلكه في خيار معين لا نقيس تكلفته بما أنفقناه عليه فحسب، وإنما أيضًا بما فقدناه من فرصة لاستخدام هذا المورد في شيء آخر.

والوقت منأوضح الأمثلة على ذلك، فالساعة التي يقضيها موظف في انتظار إجراء كان يمكن اختصاره هي ساعة لم توضع في عمل آخر.

 ووقت المواطن الذي يكرّر زيارته لإنجاز معاملة لم تكتمل من المرة الأولى له قيمة، حتى إن لم تسجله دفاتر المؤسسة.

وهكذا يصبح التأخير نوعًا من التكلفة الحقيقية، حتى إن لم يظهر في دفاتر المؤسسة.

لكن المطلوب ليس أن نفعل كل شيء بسرعة، فالقرار الذي يحتاج إلى دراسة ينبغي أن يأخذ حقه، والإجراء الذي يصون السلامة أو يحفظ حقًا لا ينبغي اختصاره لمجرد تحسين الرقم.

 المشكلة ليست في الوقت الذي يصنع قيمة؛المشكلة في الوقت الذي يمر ولا يضيف إليها شيئًا.

 وربما تكون المشكلة في الطريق لا في المسافر نميل حين تتباطأ الخدمة إلى السؤال عن عدد الموظفين: هل نحتاج إلى مزيد منهم؟

وقد تكون الإجابة نعم أحيانًا، لكن علم إدارة العمليات يطرح سؤالًا آخر:كيف يتحرك العمل أصلًا؟

قد يكون الموظف كفؤًا، لكن الملف ينتظر توقيعًا.

 وقد يكون المسؤول مستعدًا للقرار، لكن المعلومة لم تصل.

 وقد تكون الموارد موجودة، بينما تختبئ نقطة الاختناق في خطوة واحدة من سلسلة طويلة.

ولهذا نشأت في علوم العمليات أدوات لدراسة التدفق والطوابير والاختناقات، ومن أشهر المفاهيم فيها قانون ليتلLittle’s Law، الذي يربط بين عدد الحالات الموجودة داخل النظام ومعدل تدفقها والزمن الذي تقضيه فيه.

ومن أبسط ما يساعدنا قانون ليتل على فهمه أن إطالة الزمن الذي تقضيه المعاملة داخل النظام ترتبط بزيادة عدد المعاملات الموجودة فيه، إذا ظل معدل التدفق ثابتًا.

والقيمة هنا ليست في المعادلة الرياضية للقارئ الكريم غير المتخصص، بل في أنها تدفعنا إلى النظر إلى النظام كله: فالازدحام لا يعني دائمًا أن الموارد قليلة؛ فقد تكون المشكلة أيضًا في الزمن الذي تقضيه المعاملة داخل المسار، أو في طريقة تدفق العمل بين مراحله.

وهذا ليس افتراضًا نظريًا فقط، فدراسة منشورة في عام 2025 طبقت أدوات تحسين تدفق العمليات على عيادتين في المملكة العربية السعودية.

وكشفت في عيادة العيون أن الانتظار وحده كان يمثل نحو 1,892 ثانية من رحلة المريض، وأن مرحلة واحدة قبل العلاج النهائي استحوذت على أكثر من 40% من زمن الانتظار.

وأظهرت الدراسة أن إعادة تصميم تدفق الخدمة يمكن أن يسهم في خفض أوقات الانتظار دون الانتقاص من الوقت ذي القيمة الطبية.

والمغزى أن تحسين الأداء لا يبدأ دائمًا بزيادة سرعة الأفراد، فقد يبدأ أحيانًا من تقصير مسار العمل نفسه.

من مراقبة الأشخاص إلى رؤية التدفق كثير من مؤشرات الإدارة التقليدية تنظر إلى الموظف:هل حضر؟كم أنجز؟كم ملفًا تعامل معه؟

وهذه أسئلة مشروعة، لكن الكفاءة المؤسسية تضيف إليها سؤالًا مختلفًا: هل النظام نفسه يسمح للإنسان بأن يكون كفؤًا؟

فإذا كان الموظف ينجز الجزء الذي يملكه في عشر دقائق، ثم تنتظر المعاملة يومين في خطوة أخرى، فإن قياس العشر دقائق وحدها لا يخبرنا بالقصة الحقيقية.

نحن في هذه الحالة لا نحتاج فقط إلى إدارة الأشخاص، بل إلى إدارة رحلة العمل من بدايتها إلى نهايتها، وهنا تختلف زاوية النظر، فبدل أن نسأل فقط: «من تأخر؟

»نسأل كذلك:«أين تأخر العمل؟ ولماذا؟»

 ومن واقع العمل الإداري، كثيرًا ما يتبين أن جانبًا مهمًا مما يستهلك الزمن لا يقع في العمل ذاته، بل في المسافات التي تقع بين أجزائه؛ بين معلومة لم تصل، وإجراء لم يكتمل، وقرار ينتظر دوره.

وحين تتكرر هذه المسافات، يصبح تحسين الأداء أحيانًا أقرب إلى إزالة ما يعطل الطريق من إضافة مزيد من الموارد إليه.

 وقت المواطن جزء من جودة الخدمة وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: الزمن الذي تتحمله المؤسسة ليس وحده موضع الحساب، هناك أيضًا زمن المستفيد.

وهذا أصبح موضوعًا قائمًا في أبحاث الإدارة العامة الحديثة تحت مفهوم العبء الإداري؛ أي ما يتحمله الإنسان من وقت وجهد في البحث عن المعلومات، وفهم المتطلبات، واستكمال النماذج، وتقديمها، ثم متابعة الخدمة.

وفي دراسة حديثة منشورة عام 2026 في مجلة Government Information Quarterly، استمع الباحثون إلى مواطنين مكسيكيين عبر 13 مجموعة نقاش لدراسة تجربتهم مع الخدمات الحكومية الرقمية، ووجدوا أن العبء لا يقع في نقطة واحدة؛ فهناك تكلفة في البحث عن المعلومة، وأخرى في إعداد المتطلبات وتقديمها، وثالثة في المتابعة، وأن تصميم مسار الخدمة نفسه قادر على نقل جانب من هذا العبء بعيدًا عن المواطن.

وهذه نتيجة تستحق التوقف عندهالأن الخدمة قد تكون رقمية، ومع ذلك يبقى المواطن مطالبًا بالبحث والتكرار والمتابعة. إذن، السؤال ليس فقط:هل رقمنّا الخدمة؟

بل:هل أعدنا للمستفيد شيئًا من وقته؟

 اقتصاد الوقت والتنمية تكتسب هذه الفكرة وزنًا إضافيًا في جيبوتي في ظل الخطة الوطنية للتنمية ADEEG 2025–2030، التي تقوم على التحول الهيكلي للاقتصاد، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز الحوكمة، والانتقال نحو اقتصاد أكثر إنتاجًا للقيمة وفرص العمل.

وتضع الخطة هدفًا لمتوسط نمو يبلغ 8.6% خلال الفترة 2025–2030، مع خلق أكثر من 6,000 وظيفة سنويًا.

ولا أورد هذه الأرقام للحديث عن الخطة ذاتها، بل لأن مسألة الإنتاجية تقف خلف كثير من أهداف التنمية.

فزيادة الإنتاجية لا تعني فقط شراء معدات أكثر أو إضافة موارد جديدة، قد تبدأ أحيانًا من أمر أكثر هدوءًا:أن تنجز الخدمة نفسها بوقت أقل، وبأخطاء أقل، وباستخدام أفضل للموارد الموجودة، وهنا يتحول الوقت من مسألة تنظيم يومي إلى قضية اقتصادية.

 الدقيقة الصغيرة حين تتكرر تصبح رقمًا كبيرًا اقتصاد الدول لا يعيش فقط في العناوين الكبرى عن الاستثمار والتجارة والناتج المحلي؛ إنه يعيش أيضًا في التفاصيل الصغيرة: في ساعة عمل لم تُهدر، وفي رحلة لم يحتج المواطن إلى تكرارها، وفي معلومة وصلت قبل أن يفقد القرار قيمته.

ويظهر كذلك في موعد طبي تحرك فيه المريض بانسيابية بدل أن يقضي معظم رحلته في الانتظار، أو في اجتماع انتهى بقرار ومسؤول وموعد، لا بموعد لاجتماع آخر.

هذه دقائق متفرقة تبدو صغيرة حين ننظر إلى كل واحدة منها منفردة، لكن حين تتكرر عبر آلاف الموظفين والمعاملات والمراجعين، فإن الصغير يتوقف عن كونه صغيرًا.

 وهنا تبدأ الإنتاجية.

 كيف نرى الوقت الذي يضيع؟

لا تحتاج المؤسسة في البداية إلى منظومة معقدة، يكفي أحيانًا أن ترسم رحلة خدمة واحدة وتسأل:كم يستغرق الإجراء من بدايته إلى نهايته؟

كم من هذا الوقت عمل حقيقي؟

وكم منه انتظار؟

كم مرة ينتقل الملف؟

كم جهة تحتاج إلى الموافقة؟

وأين تقع أطول نقطة صمت في الرحلة؟

 مجرد رؤية الإجابات قد تكشف فرصًا للتحسين لم تكن واضحة.

بعض ما نسمّيه «طبيعة العمل» ليس طبيعة بالضرورة؛ربما هو مجرد عادة إدارية طال عمرها حتى نسينا أن نسأل لماذا بدأت.

المورد الذي لا يعود يمكن تعويض المال، ويمكن استبدال جهاز، ويمكن إعادة بناء ملف فُقد، وإن كان ذلك مكلفًا، لكن الدقيقة التي مضت لا تعود، ولهذا ربما ينبغي أن يكون إلى جوار أسئلة الميزانية والموارد والتوظيف سؤال آخر أكثر هدوءًا:هل أصبحت المؤسسة أكثر حرصًا على وقتها ووقت من تخدمهم؟

 فالوقت ليس مجرد عقارب تتحرك على جدار المكتب. إنه مورد اقتصادي، ورأس مال تشغيلي، وجزء من جودة الخدمة واحترام الإنسان.

وقد تكون بعض أجدى التحسينات المؤسسية هي تلك التي لا تحتاج إلى مبنى جديد ولا إلى ميزانية ضخمة، بل تحتاج أولًا إلى أن ننظر إلى الطريق القديم بعين جديدة، ثم نسأل: أين يذهب الوقت؟

 والسؤال الأهم: هل يجب أن يذهب كله إلى هناك؟

 

 ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان