اسمي محمد، أعيش مع إخوتي الذين اعتدت أن أصفهم بـ«المتنمرين».

 لطالما كرهت العيش معهم بسبب سخريتهم المتواصلة، وخاصة عندما نخوض في حديث عن كرة القدم، ولكن ما حدث أمس كان كفيلًا بأن يجعلهم يعيدون التفكير ألف مرة قبل أن يكرروا ما كانوا يفعلونه.

تريدون معرفة ما حدث أمس؟ أعرف أن شعور الفضول قد بدأ يتسلل إليكم، ولكن قبل أن أحكي لكم، لا بد أن أخبركم بشيء.

لكل واحد من إخوتي لاعبه المفضل، باستثناء أفضل لاعب في العالم، «كريستيانو رونالدو»، لأنهم دائمًا يتابعونه ومبارياته.

وفي يوم من الأيام، وكالعادة، بينما نحن نناقش كيفية معرفة طعم النجاح، تطرق خالد إلى موضوع عن كرة القدم وكيف وصل نجوم كرة القدم إلى كل هذا النجاح والتفوق، فأردت المشاركة وإبداء رأيي الخاص.

 فقلت: أنا أعتقد أن... لكن قاطعني خالد وهو يلوّح بيده قائلًا: — مهلًا، مهلًا، مهلًا، ما الذي تحاول قوله، ها؟

قلت بهدوء: — فقط أبدي رأيي عن... فقاطعني مرة أخرى ساخرًا: — رأيك أم خيالك؟!

 لأنني في آخر مرة تفقدت أمورك، وجدت أنك لا تعرف شيئًا عن كرة القدم، لا شيئًا على الإطلاق! وقبل أن أجيب، تدخل أخي وابري مؤيدًا كلامه: — يا رجل، نحن لا نتكلم عن كيفية مراجعة الدروس، أتفهم؟

 وانفجر الجميع بالضحك، بينما بقيت أنظر إليهم بصمت.

وبعد أن هدأت ضحكاتهم، قال درار وهو يبتسم بسخرية: — انتظر لحظة... هل تعرف عمّن نتحدث؟!

 إنه أفضل لاعب في العالم بأسره. أنت لا تعرف اسمه الكامل، ولا تاريخ ميلاده، ولا حتى جنسيته، ثم إنك تحدثنا عن سر نجاحه؟

 هل فقدت عقلك؟ أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت: — ولكن النجاح لا يكمن في معرفة أسماء اللاعبين وجنسياتهم وتواريخ ميلادهم، النجاح هو فعل ما لا يستطيع الجميع فعله.

لكن خالد لم يدعني أكمل، وقال وهو يصفق بيديه: — واو، واو، واو! انظروا من يلقي المحاضرات! خبير كرة القدم الذي لا يعرف عنها شيئًا! وأضاف وابري وهو يشير إلى غرفتي: — لأساعدك، اذهب إلى فراشك ونم، ودعنا نستفيد من وقتنا لمعرفة كيفية «النجاح»، ولا سيما عن كيفية نجاح أفضل لاعب في العالم.

 هيا، هيا يا فتى، هيا اذهب. لم أرد عليهم هذه المرة، اكتفيت بالنظر إليهم للحظة، ثم ذهبت وتوجهت إلى غرفتي لأذاكر الدروس، لأن اختباري كان سيبدأ بعد أسبوع، فذاكرت ثم نمت، غير مدرك أن صباح اليوم التالي سيغير مجرى كل شيء.

وفي صباح اليوم التالي، استيقظت على صراخ وضجيج غير معتاد، فخرجت من غرفتي مستغربًا لأرى ما يحدث، فإذا بالأخبار تتحدث عن حدث استثنائي، إذ إن كريستيانو رونالدو جاء اليوم لمقابلة مشجعيه في المدينة.

كانت الأجواء أشبه بالاحتفالات، وطائرات التصوير تحلق فوق المنازل لتصوّر المشهد وتنقله إلى الخارج، بعد أن تكفّل رونالدو بتكلفة الباصات في كل مكان؛ ليستطيع الجمهور حضور هذا اللقاء.

فقال درار: — ألن ترافقنا؟ 

فرد خالد ساخرًا: — وماذا سيفعل؟

 أصلًا لو وقف رونالدو أمامه لما عرفه، وهل تظن أن أفضل لاعب في العالم سيوقّع لمثله؟

 ابتسمت بهدوء وقلت: — أصلًا لست ذاهبًا، لأنني أذاكر الدروس، وأمامي مهام أصعب منها، وعليّ الاستعداد لها، لذا حظًا موفقًا. هزّ خالد رأسه ساخرًا، ولكنه لم يكتفِ بذلك، فقد كان يصوّر الحوار الذي دار بيننا بهاتفه دون أن أشعر، وما إن خرج من المنزل حتى نشر المقطع على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل إنستغرام وتويتر؛ بهدف إحراجي، وكتب عليه: «لا يعرف شيئًا عن الكرة ولا عن كريستيانو رونالدو.» كان يظن أن الناس سيضحكون عليّ، وأن الفيديو سيكون محل سخرية ليس إلا.

ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد نال الفيديو الكثير من المشاهدات والإعجاب، فانقسم الناس بين مؤيد ومعارض؛ فمنهم من رأى أنني أقللت من قيمة الحدث، ومنهم من رأى أن تقديم الدراسة على أي مناسبة أمر يستحق الاحترام.

وفي الصباح التالي، فوجئت بوجود فريق إعلامي أمام المنزل. استقبلتهم والدتي، وبعد حوار قصير معها سمحت لهم أمي بالدخول. فطلبوا مني أن أجري معهم مقابلة تلفزيونية للحديث عن الفيديو وما أثاره من الجدل في الأوساط الإعلامية.

 اعتذرت في البداية، ولكن بعد إلحاح كثير وافقت، ورافقتهم دون أن أتوقع أن هذه المقابلة ستغير وجهة نظر إخوتي عني، وأيضًا بعض الناس، مما قلته في تلك المقابلة.

فكانت المقابلة كالتالي: المذيع: محمد، أهلًا ومرحبًا بك في قناة «نظرة المستقبل»، وشكرًا على قبولك إجراء هذه المقابلة، ونرحب بك مرة ثانية.

أنا: شكرًا لكم على هذا الترحيب الكريم، وأنا سعيد بوجودي معكم، وأقدّر لكم هذه الدعوة.

المذيع: محمد، رغم علمك بمحور هذه المقابلة، إلا أنني سأسألك مرة أخرى ما إن كنت راضيًا عن هذا الحوار وكل ما يحويه من الأسئلة والتصريحات خلال هذه الساعات المقبلة. أنا: في الواقع، أنا هنا بكل حرية واختيار، وبما أنني سأجيب بكل صراحة ومصداقية، فلا داعي للقلق.

 المذيع: محمد، هناك تسجيل فيديو لك، وقد انتشر هذا المقطع على نطاق واسع حول منصات التواصل الاجتماعي، كما نال الكثير من المشاهدات، فما صحة هذا المقطع الذي أثار غضب محبي الدون؟

 أنا: في الحقيقة، هذا المقطع تم تصويره بدون علمي، ومن قبل أخي، بغرض إحراجي، ولكن هذا لا يعني أنني لم أكن أعني ما قلته، فبكل صراحة هذا ما قصدته، ولا ندم.

المذيع: حسنًا، هل أنت من مشجعي ومحبي الدون؟

 أنا: نعم، أنا من مشجعي الدون، وهو أفضل لاعب في كرة القدم بالنسبة لي، وهو قدوتي في كرة القدم.

المذيع: إذن، لماذا لم تخرج ولم تشارك في حفلة حضور «الدون»، رغم دفعه تكلفة الباصات ليحضر من لا يستطيع تحمل تكلفة التنقلات، وكل من يحبه حضر؟

أنا: لأنني على وشك خوض الامتحانات الوزارية، وأمامي أيام قليلة فقط، وكان عليّ الاختيار بين حضور مناسبة جميلة كهذه وبين مستقبلي الدراسي، فاخترت ما أراه الأهم في هذه المرحلة.

 المذيع: هل تقصد بقولك «الأهم» أن مقابلة رونالدو لا تساوي شيئًا مقارنة بالاختبارات، أم أنك لست من محبي «الدون»؟

 أنا: في الحقيقة، لم أكن لأصيغها بهذه الطريقة إطلاقًا، فمقابلة شخصية عظيمة مثل رونالدو فرصة لا تتكرر، ولكن نعم، قد يكون غريبًا بعض الشيء، إلا أنني أعتبر هذه المرحلة الأهم في حياتي المهنية، فهي مرحلة لا أستطيع التفريط بها.

المذيع: واو! انظر، من حقك أن تقول ذلك، ولكن لو كنت مكانك لما فوّتُّ مناسبة كهذه.

 أنا: أحترم رأيك، ولكن لكل شخص طريقته في التفكير، وأنا أحب كرة القدم وأعشقها، ولطالما تمنيت أن أصبح يومًا لاعبًا في إحدى النوادي المشهورة، وخاصة بجانب قدوتي في الكرة، وهو رونالدو، ولكن كما تعلم، تبقى بعض الأحلام تصطدم بالواقع؛ وعندما يحدث ذلك، علينا أن نصنع طريقنا إلى النجاح، لا التشبث بأحلام باتت أسيرة الواقع.

 المذيع: معك حق، فليست الأحلام دائمًا تتحقق، وخاصة عندما يكون الواقع ضدها، ولكن ما هي بقية الأحلام التي تنوي تحقيقها، والتي هي في نظرك أقرب إلى الواقع؟

 أنا: أن أحقق أفضل معدل في هذا الاختبار، لأكون من ضمن الثلاثة الأوائل، حتى أتمكن من مواصلة الدراسة في الخارج، ثم أتخصص في مجال التجارة، لأكون أيقونة في عالم المال والأعمال. المذيع: واو! يا لها من خطة، يبدو أنك خططت لكل شيء مسبقًا، ولكن ماذا تقول لمنتقديك بعد مشاهدتهم ذلك المقطع؟

 أنا: يمكنك أن تكون مشجعًا للدون، ولكن لا تجعل ذلك عائقًا يقف بينك وبين أهم مهامك. العب الكرة، وشاهدها، ولكن لا تسمح لها بتشتيت انتباهك، ففي واقعنا ليس من حقنا أن نفعل أكثر من ذلك، فلا حكومة تهتم بالكرة، ولا مؤسسة أخرى.

 ليكن أسطورتك في الكرة قدوة في الإصرار وصنع حياة أفضل من هذه بأي وسيلة كانت.

 توقف عن كونك مشجعًا مجهولًا، كن ذا تأثير، ابنِ حياتك، واستثمر فيها، ثم قابل رونالدو شخصيًا بدلًا من الصراخ في المدرجات أو أخذ صورة معه، فذلك أفضل. المذيع: كلام يستحق التأمل، لذا سأترك الرد للجمهور.

بقي سؤال أخير: لو كان كريستيانو يشاهدنا الآن، ماذا ستقول له؟

 أنا: ماذا أقول غير أن أقول له: شكرًا لك، لأنك كنت جزءًا من طفولتنا، فقد جعلتنا نشاهد الكرة بأسمى معانيها.

 وبالمناسبة، في موضوع التشجيع، فأنا من أشد المعجبين بك، ولا أشك أنك لو كنت مكاني لفعلت المثل، لأنه جزء مما تعلمناه منك، ولأن النجاح لا يأتي إلا بالانضباط والتضحية والعمل المستمر.

المذيع: رسالة جميلة، وربما ستصل إليه يومًا ما، وسأترك الرد له، وآمل أنه يشاهدنا الآن، وإن لم يكن الآن فلاحقًا. كان شرفًا لنا أن تكون ضيفًا في هذه الحلقة.

 نشكرك على وقتك، وعلى ما قدمته من معلومات وأفكار، ونتمنى لك كل التوفيق والنجاح في امتحاناتك، وتحقيق كل ما تطمح إليه في المستقبل القريب العاجل.

أنا: شكرًا لكم على هذه الاستضافة الكريمة، وسعدت جدًا بالمشاركة معكم.

 المذيع: إلى هنا نصل إلى ختام حلقتنا.

أشكر ضيفنا الكريم، وأشكركم أنتم، مشاهدينا الكرام، على حسن المتابعة. 

نلتقي بكم في حلقة جديدة، بإذن الله.

 إلى اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

بقلم : حسن علي وابري