غير أن بعض تلك الأصوات تحمل في مضمونها طقوسًا وأذكارًا وتضرعاتٍ تتوجه إلى غير الله تعالى.
وهنا استوقفتني كلمة «فِتْيَة».إنهم فتية، وهؤلاء فتية؛ ولكن شتّان بين الفريقين.
أصحاب الكهف كانوا فتيةً امتلكوا شجاعة السؤال، وقوة الموقف، وصدق البحث عن الحقيقة.
أفلا يتأمل في نفسه وفي الكون من حوله؟
أفلا يسأل: من أين جاء هذا الكون؟
فقد يكون الإنسان شابًا في مقتبل العمر، لكنه يحمل وعيًا عميقًا وإيمانًا راسخًا، كما كان أصحاب الكهف.
لقد خرج أصحاب الكهف من ظلام العقيدة الباطلة إلى ظلام الكهف، فكان ظلام الكهف طريقًا إلى نور الهداية.
في هذا السياق فإنني أوجّهُ ندائي إلى الجيل الصاعد.
لم يكونوا شيوخًا أصحاب تجارب طويلة، ولا علماء كثرت حولهم الكتب، ولا أصحاب نفوذ وسلطان؛ كانوا شبابًا.
ومع ذلك امتلكوا ما هو أعظم من القوة المادية: امتلكوا وضوح الإيمان، وشجاعة الموقف، واستقلال الإرادة.
ولذلك فإن السؤال المهم ليس: ماذا يملك الشاب؟
الإنسان الواعي لا يسأل فقط: ماذا يقول الناس؟
وهل يتفق مع الحق والقيم التي أؤمن بها؟
وهنا يتضح قيمة التفكير النقدي؛ فالإيمان الصحيح لا يعادي العقل، بل يحرره من الوهم والتقليد الأعمى.
لقد كان أصحاب الكهف نموذجًا لشباب لم يسمحوا لضغط الواقع أن يسلبهم حقهم في التفكير والاختيار.
قد يعرف الإنسان الصواب، لكنه لا يملك الجرأة على الالتزام به.
وقد يقتنع بالحق، لكنه يخشى أن يدفع ثمنه اجتماعيًا.
وقد يعرف الخطأ، لكنه يستمر فيه لأن الجميع يفعلونه.
أما أصحاب الكهف فقد جمعوا بين المعرفة والموقف؛ عرفوا الحق، ثم قاموا له.
أيها الجيل الصاعد، لا تجعلوا ضجيج الواقع يحجب عنكم نور الحقيقة.
فالضجيج ليس دليلًا على الصحة، والانتشار ليس برهانًا على الصواب.
ولذلك لا تجعلوا معياركم في الحياة: ماذا يفعل الجميع؟
بل اجعلوا السؤال: ماذا ينبغي أن أفعل؟
إن الإنسان الذي يعيش وفق ردود أفعال الآخرين يفقد شيئًا ثمينًا من شخصيته.
إذا مدحه الناس فرح، وإذا ذموه انهار، وإذا اتبعوا اتجاهًا تبعهم، وإذا غيّروا موقفهم غيّر موقفه.
وهنا تأتي الرسالة الكبرى في قصة أصحاب الكهف: اختاروا عبوديتكم لله بوعيٍ وثبات.
يصبح قلبه متعلقًا بالله، وعقله قادرًا على التمييز، وإرادته أكثر قدرة على مقاومة الضغوط.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه الجيل ليس أن يجهل المعلومات، وإنما أن يفقد البوصلة.
أيها الشباب، لا تكونوا جيلًا يستهلك الأفكار فقط؛ كونوا جيلًا يفحصها ويناقشها ويعيد إنتاجها.
لا تجعلوا وسائل التواصل الاجتماعي هي التي تحدد لكم ما تحبون وما تكرهون، وما تؤمنون به وما ترفضونه.
تعلموا أن تتوقفوا قليلًا أمام ما تسمعون.
هل فهمت الفكرة فعلًا أم اكتفيت بعنوانها؟
وهل ما أراه حقيقة أم مجرد انطباع أو دعاية أو اجتزاء؟
إن هذه الأسئلة البسيطة قد تحمي الإنسان من أخطاء كبيرة.
وفي الوقت نفسه، لا تجعلوا التفكير النقدي ذريعةً للشك في كل شيء.
إن أصحاب الكهف يعلموننا كذلك أن طريق الحق ليس دائمًا طريق الراحة.
فقد اختاروا موقفًا كلّفهم مفارقة بيئتهم واللجوء إلى الكهف.
بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي

