والقرآن الكريم لا يجعل القيمة الإنسانية قائمة على المظهر الاجتماعي أو المكانة أو الامتيازات، وإنما يردّ معيار التفاضل إلى التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وهذا يعيد تعريف النجاح من جذوره: ليست قيمة الإنسان فيما يملك من إنجاز، وإنما فيما يصنعه الإنجاز منه، وما يقدمه به، وكيف يستعمله.
• ــ حين يصبح النجاح مصدرًا للغرور النجاح نعمة، لكنه قد يصبح اختبارًا أخلاقيًا فالإنسان حين يشعر بالقدرة والاستغناء قد ينسى ضعفه الأول، وينسب الفضل إلى نفسه وحدها، ويتعامل مع ما أُوتيَه وكأنه استحقاق ذاتي محض.
وهنا يلفت القرآن النظر إلى طبيعة بشرية دقيقة: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6–7] فالخطر ليس في أن ينجح الإنسان، وإنما في أن يشعر أن نجاحه جعله مستغنيًا عن الله، أو متعاليًا على الناس، أو مستغنيًا عن التعلم والمراجعة والنقد.
ومن هنا تأتي التربية الإسلامية لتربط النعمة بالشكر، والقدرة بالمسؤولية، والنجاح بالتواضع. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53] فإذا أدرك الإنسان أن ما عنده من علم أو قدرة أو مال أو مكانة أو قبول إنما هو من فضل الله، تغيّرت علاقته بالنجاح: من الاستعلاء به إلى الشكر عليه، ومن احتكاره إلى تسخيره في الخير.
• ـــ حين يصبح النجاح خوفًا من الفشل ومن المفارقات أن الإنسان قد يبدأ حياته وهو يخشى الفشل، ثم يصل إلى مرحلة يصبح فيها أكثر خوفًا من فقدان النجاح.
فيبدأ بحساب خطواته بصورة مفرطة، ويتجنب المغامرة الفكرية، ويخشى الاعتراف بالخطأ، وربما يرفض التراجع عن قرار غير صائب؛ فقط لأنه لا يريد أن تهتز صورته أمام الآخرين.
وهنا يصبح النجاح عائقًا أمام التطور، فالتعلم الحقيقي يحتاج إلى مساحة للخطأ، والنضج يحتاج إلى مراجعة، والتجربة تحتاج إلى احتمال التعثر.
ولهذا، فالإنسان الناجح ليس هو الذي لا يفشل، وإنما هو الذي لا يسمح للفشل أن يسلبه المعنى، ولا يسمح للنجاح أن يسلبه التواضع.
حين يصبح النجاح على حساب الحياة قد ينجح الإنسان مهنيًا، لكنه يخسر أسرته؛ وقد ينجح ماليًا، لكنه يخسر راحته؛ وقد ينجح اجتماعيًا، لكنه يفقد خصوصيته؛ وقد ينجح في جمع الشهادات، لكنه يفقد شغفه بالمعرفة؛ وقد ينجح في بناء صورته أمام الناس، لكنه يهمل بناء نفسه أمام الله.
وهنا ينبغي أن نعيد تعريف النجاح تربويًا: النجاح المتوازن ليس أن تربح جانبًا من حياتك على حساب بقية جوانبها، وإنما أن تحقق إنجازك دون أن تفقد إنسانيتك وقيمك وعلاقاتك وطمأنينتك فالنجاح الذي يستهلك الإنسان حتى لا يبقى منه إلا منصبه أو رصيده أو شهرته، قد يكون نجاحًا في الخارج، لكنه خسارة في الداخل. • ـــ الإسلام لا يرفض النجاح؛ بل يعيد تعريفه ليس في المنظور الإسلامي ما يدعو إلى احتقار النجاح الدنيوي أو تعطيل الطموح.
بل إن الإسلام يحث على العمل والإحسان، ويربط المسؤولية بالعمل والمحاسبة عليه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105] لكن الإسلام لا يجعل الإنجاز المادي أو الاجتماعي هو المقياس النهائي لقيمة الإنسان، فالنجاح الحقيقي في التصور الإسلامي هو نجاح الغاية قبل الوسيلة، والقلب قبل الصورة، والأثر قبل الشهرة، والتقوى قبل المكانة ولهذا جاء الحديث النبوي ليصحح معيار النظر إلى الإنسان، فقال ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» إنها قاعدة عميقة في فلسفة النجاح: ما قيمة أن يكبر رصيدك في أعين الناس، إذا صغر رصيدك في قلبك؟
• ـــ النجاح الذي يتحول إلى رسالة النجاح في الإسلام لا ينتهي عند صاحبه؛ فالنعمة الحقيقية هي التي تتحول إلى نفع.
ولهذا أثنى النبي ﷺ على من أوتي المال فأنفقه في الحق، وعلى من أوتي الحكمة والعلم فعمل به وعلّمه للناس.
وهنا ينتقل النجاح من ملكية شخصية إلى رسالة اجتماعية. فالعالم الناجح ليس من جمع المعرفة فقط، بل من نشرها. والمعلم الناجح ليس من امتلك الشهادة فقط، بل من غيّر بها حياة طلابه.
والقائد الناجح ليس من جمع السلطة، بل من أحسن استعمالها.
والغني الناجح ليس من راكم المال فقط، بل من جعل ماله بابًا للخير.
فالنجاح الذي لا يتجاوز صاحبه قد يتحول إلى عبء، أما النجاح الذي يتجاوز صاحبه إلى الآخرين فيتحول إلى أثر.
• ـــ بين النجاح والعلو ومن أجمل ما يقدمه القرآن في هذا السياق قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص 83 ) فالقرآن لا يذم الرفعة من حيث هي، وإنما يذم العلو المتكبر المفسد، وهنا يظهر الفرق بين الطموح والاستعلاء.
الطموح يقول: أريد أن أكون أفضل مما كنت أما الاستعلاء فيقول: أريد أن أكون أفضل من الآخرين ــ الطموح يبني الإنسان، أما الاستعلاء فيضعه فوق الناس ــــ الطموح يبحث عن الإنجاز، أما الاستعلاء فيبحث عن الاعتراف ـــ الطموح يستمد قيمته من الرسالة، أما الاستعلاء فيستمد قيمته من نظرات الآخرين.
بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي