أهم ما يمكن غرسه في هذه المرحلة: اختيار القدوات أوجِّه حديثي أولًا إلى الشباب والفتيات من أبناء السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة، ثم إلى الآباء والأمهات، والمربين، والمعلمين، والإعلاميين، وأصحاب القرار.
وأرى أن من أهم ما ينبغي غرسه في نفوس أبناء هذه المرحلة حسن اختيار القدوات. فالإنسان بطبيعته لا يستغني عن قدوة يحبها ويعجب بها، ويقتدي بها في أقوالها وأفعالها. ويظهر هذا الأمر بصورة أوضح في مرحلة المراهقة؛ إذ يميل الشباب إلى البحث عن العظماء والأبطال، فيتعلقون بهم تعلقًا شديدًا، ويسيرون على نهجهم في كثير من شؤون حياتهم.
ويذكر الدكتور إبراهيم وجيه محمود، المتخصص في العلوم النفسية والتربوية، أن من أبرز الخصائص الاجتماعية للمراهق في هذه المرحلة تعلقه بشخصية يراها نموذجًا للزعامة أو للمثل العليا، فيؤمن بأفكارها ويتأثر بآرائها، حتى سميت هذه المرحلة عند بعض الباحثين مرحلة عبادة الأبطال.
وقد يكون هذا التأثر واعيًا، وقد يكون غير واعٍ؛ فنرى بعض الشباب يقلدون الشخصية التي يعجبون بها في طريقة المشي، أو نبرة الصوت، أو أسلوب الحديث، أو حتى في المظهر الخارجي.
ويظهر ذلك بوضوح عند الإعجاب بالممثلين أو المشاهير أو الرياضيين، فيحرص المراهق على تقليد هيئتهم ولباسهم وتسريحة شعرهم. غير أن التربية الرشيدة لا تقف عند تقليد المظاهر، وإنما توجه المراهق إلى الاقتداء بالأفكار والقيم والمبادئ.
فالمهم ليس أن يقسد الإنسان طريقة الكلام أو الملبس، وإنما أن يتأثر بالأخلاق، والهمم العالية، والثبات على الحق، وحب الخير، وخدمة الناس.
إن التربية بالقدوة من أقوى وسائل التربية؛ فالإنسان يتعلم بعينيه أكثر مما يتعلم بأذنيه. وعندما يرى الصدق متجسدًا في رجل صادق، أو الأمانة في رجل أمين، أو الثبات في صاحب مبدأ، يدرك أن هذه الفضائل يمكن أن تتحقق في الواقع، فيسعى إلى التحلي بها.
ولهذا قال ابن خلدون في مقدمته: «إن الإنسان يأخذ معارفه وأخلاقه وما ينتحله من المذاهب والفضائل تارةً بالتعليم، وتارةً بالمحاكاة والتقليد، إلا أن حصول الملكات عن طريق المحاكاة والتقليد أشد رسوخًا واستحكامًا.» أيها الشباب، إن القرآن الكريم لم يترك لكم باب القدوة مفتوحًا لكل أحد، بل وجهكم إلى خير القدوات وأكملها، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فبعد أن ذكر الله تعالى عددًا من الأنبياء في سورة الأنعام قال: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
وجعل سبحانه إبراهيم عليه السلام قدوة للمؤمنين فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾.
ثم خصَّ نبينا محمدًا ﷺ بأعظم قدوة، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
إن قضية القدوة ليست قضية إعجاب بممثل، أو مغنٍّ، أو لاعب كرة قدم، وإنما هي قضية بناء شخصية، وصناعة أمة، والمحافظة على هوية الأجيال.
ولهذا يتحدث كثير من المفكرين اليوم عن حرب القدوات، وهي محاولة تحطيم الرموز الصالحة، وإبراز رموز بديلة لا تحمل القيم نفسها، حتى يتغير اتجاه الشباب وسلوكهم.
ومن الكتب النافعة في هذا الباب كتاب «القدوات الكبار بين التحطيم والانبهار» للدكتور محمد موسى الشريف، الذي يبين أن الله تعالى جعل في كل أمة رجالًا ونساءً ارتفعوا بالعلم والعمل والإخلاص، فأصبحوا قدوات للأجيال.
ويؤكد أن أعظم القدوات هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم الصحابة الكرام، ثم التابعون، ثم علماء الأمة ودعاتها ومصلحوها.
ولقد زخرت الحضارة الإسلامية بسير العلماء والمفسرين والمحدثين والفقهاء والأدباء واللغويين والمجاهدين، حتى امتلأت المكتبة الإسلامية بكتب التراجم والسير، وهي ثروة تربوية عظيمة ينبغي أن نحييها في نفوس أبنائنا.
ويبقى السؤال: كيف نعين أبناء هذه المرحلة على اختيار القدوات الحسنة؟ * الإكثار من مجالسة أهل العلم والفضل والأدب؛ فإن كثرة اللقاء بالصالحين تورث محبتهم والاقتداء بهم. * قراءة سيرة النبي ﷺ وشمائله، والاطلاع على سير الصحابة والتابعين وأهل البيت الكرام، ليبقى رسول الله ﷺ القدوة الأولى في الحياة. * قراءة تراجم العلماء والمصلحين وأصحاب الإنجازات؛ ليجد الشاب نماذج حقيقية يقتدي بها. * الحذر من كثرة متابعة أهل اللهو والمجون، سواء في الواقع أو عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، حتى لا يتعلق القلب بهم ويصبحوا قدوات في الفكر والسلوك.
وفي الختام، فإن من أعظم ما يمكن غرسه في نفوس أبناء السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة حسن اختيار القدوة؛ لأن الإنسان يصبح -في كثير من الأحيان- صورة لمن يُعجب به ويقتدي به.
وقد قيل: «حالُ رجلٍ في ألفِ رجلٍ خيرٌ من قولِ ألفِ رجلٍ في رجلٍ.» فاحرصوا على أن يكون قدوتكم الأنبياء، ثم الصحابة، ثم العلماء والصالحون، فإن من سار خلف الأخيار كان أقرب إلى الخير، ومن اقتدى بالصالحين سلك طريق الفلاح في الدنيا والآخرة.
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر