معلومة استوقفتني سبق لي أن قرأت أو سمعت كثيرًا أن العالم الإسلامي، خاصة في العصور الوسطى، كان في مقدمة العالم في مجالات العلم والصناعة والحضارة، وأن المسلمين قدموا إسهامات كبيرة في علوم الطب والفلك والرياضيات والهندسة وغيرها، حتى أصبحت بعض إنجازاتهم أساسًا تطورت عليه علوم جاءت بعدها.
لكن المعلومة التي استوقفتني اليوم، وأنا أستمع إلى «تاريخ التتار» للعالم الكبير الشيخ مصطفى حاج إسماعيل «برعو» على اليوتيوب، في جزئه الثامن، أن الصالح إسماعيل الأيوبي، لما تحالف مع الصليبيين للغزو على أخيه نجم الدين الأيوبي، حاكم مصر آنذاك، كان من ضمن الوعود أو الشروط التي اشترطها عليهم أن يسمح لهم بشراء الأسلحة من دمشق.
توقفت عند هذه المعلومة طويلًا. فإذا صحت هذه الرواية، فهي تعطينا صورة واضحة عن مكانة دمشق في ذلك العصر، وعن أهمية صناعاتها العسكرية، حتى أصبح الحصول على أسلحتها جزءًا من شروط التحالف السياسي والعسكري. ولم يكن ذلك في صناعة السلاح وحدها.
فقد بلغ المسلمون في الطب مرحلة متقدمة، فأنشؤوا مستشفيات كبيرة لم تكن مجرد أماكن لعلاج المرضى، بل كانت تضم الأطباء والصيادلة، وتستخدم للتعليم والتدريب، وبعضها كان يقدم العلاج مجانًا للفقراء.
وفي علم البصريات، جاء ابن الهيثم ليجعل التجربة والملاحظة أساسًا مهمًا في دراسة الضوء والرؤية، وترك كتابه «المناظر» أثرًا كبيرًا في تاريخ هذا العلم.
كلما قرأت مثل هذه القصص، لا أشعر بالفخر فقط، وإنما أشعر أيضًا بمسؤولية كبيرة. فالحضارات لا تقاس بما تركه الآباء والأجداد فقط، وإنما بما يضيفه الأبناء إلى ما تركه الآباء. كان العالم الإسلامي يومًا ما يصنع السلاح، ويعالج المرضى في مستشفيات متقدمة، ويبحث في أسرار الضوء والنجوم والرياضيات، بينما كانت مناطق أخرى من العالم لا تزال في مراحل مختلفة من التطور.
أما اليوم، فقد تغيرت الصورة كثيرًا. لم يعد السؤال: ماذا صنع المسلمون في الماضي؟
بل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا هو: ماذا نصنع نحن اليوم؟
سبحان الله مغير الأحوال. متى نصنع رصاصة واحدة؟
بقلم د. عثمان فريد، أستاذ الإدارة بالجامعة