(ليلة ما قبل العاصفة) انتهت المقابلة التلفزيونية، ولكن بالنسبة لي بدأت صفحة جديدة؛ صفحة رغم أنني لم أخطط لفتحها بهذه الطريقة، إلا أنها كانت منعطفًا نحو بناء الثقة بالنفس من جهة، وبناء صورة لي في نظر الجميع من جهة أخرى، وإن كان بالأخص إخوتي.

فبعد صراع شديد السخونة بيني وبين إخوتي، ها أنا أعود حاملًا في حوزتي أوراق قوة يمكن استخدامها في ساحة المعركة في المستقبل من جديد.

 خرجت من الأستوديو بخطوات توحي بالثقة والتفاؤل، رافعًا رأسي إلى الأعلى، وواصلت طريقي وأنا مفعم بالحيوية، والسعادة تنعكس على وجهي.

إلا أنني لم أستطع منع سؤال من أن يراودني! وهو: كيف سيكون رد فعل تلك المجموعة على ما حدث بعد اليوم؟

هل سيعترفون بخطئهم ويهنئونني بهذه الخطوة؟ لا، لا، من المستبعد أن يفعلوا ذلك.

ربما لن يعترفوا، ولكن على الأقل، هل سيكفون عن مضايقتي والتنمر عليّ؟

وبينما تتدفق الأسئلة في رأسي حول ما قد يفعلونه بعد اليوم، رأيت نفسي أقف أمام الباب.

طرقت الباب وأنا في حيرة مما قد يحدث: هل سأكون قدوتهم، أم أنه مجرد حدث يومي ولن يؤثر فيهم بقدر ما أتوقع؟

 دخلت، فلم أجد أي ترحيب إلا من شخص واحد، وهو نبع الحنان، أمي، أطال الله عمرها.

 أمسكت بي وعانقتني عناقًا حارًا، وقالت: «بني، هل تعلم كم أنا فخورة بك؟».

قالت بصوت خافت تملكه الفرحة: «لقد رفعت رأسي، كنت أستعرض مقابلتك وأقول: هذا بني، إنه ابني، لقد ظهر في التلفاز، نعم، إنه هو.

لقد جعلت أمهات الحارة كلها تغار». ضحكت بكل براءة وعانقتني مرة أخرى، ثم رفعت صوتها وقالت: «لقد جعلتني اليوم أسعد أم في الحي، على عكس هؤلاء الحمير، يعرفون فقط كيف يوقظونني بصراخهم في منتصف الليل، فقط لأجل مشاهدة المباراة».

نظرت أمي إليهم نظرة لا تخلو من الاستخفاف؛ تلك النظرة القارصة التي ترمق بها الأمهات أبناءهن الكسالى عندما يتفوق أحدهم.

 لم أتمالك نفسي من الضحك، فصرخ وابري وهو يرمي وسادة نحوي وقال: «أمي، لماذا لم تخبريني بأنك تحبين أن نظهر في الشاشات؟

لا تعلمين كم عدد المقابلات التي رفضتها». ثم أضاف درار، وهو يقلب قنوات التلفاز بملل، وقال: «نعم، هي مجرد أحاديث فقط، الفرق هو الشاشة، فلمَ كل هذا التضخيم؟».

كل هذه المدة وأنا أمسك ضحكتي، فلم أرد عليهم، ليس لأنني لا أعرف كيف أرد في هذه المرة، ولكن لأنني أعرف أنه لا جدوى من كلامهم.

ولكن خالد، الذي كان جالسًا في زاوية يعبث بهاتفه ويراقب المشهد، قال: «وبالمناسبة، ماذا قلت؟ سأقابل رونالدو؟ هههه».

ابتسم ابتسامة باهتة توحي بالسخرية، مواصلًا كلامه: «هل تعلم كم تكلف تأشيرة دخول الملعب لمشاهدته، دعك عن مقابلته؟

هي ضعف أو أضعاف مصروفك اليومي، وأنت تحلم بمقابلته».

 فقلت: «في الواقع، لم يكن حديثي عن مقابلته كمجرد مشجع، وإنما كرجل أعمال ناجح.

ربما أوقع معه عقود عقارات أو صفقات، فهو رجل أعمال كما هو لاعب أسطوري.

ولكن ذلك لا يعني أنني لا أحب مقابلته في هذه الحالة أو التواصل معه، فقد أستلهم منه وأستفيد من خبراته وتجاربه في الإصرار والكفاح».

 انفجر وابري في ضحكة هستيرية قاطع بها حديثي، وقال: «مقابلته؟

 توقيع عقود؟

 هههههه، هل جننت؟

 فقط لأنك ظهرت على الشاشة لدقائق معدودة تظن أنك تستحق الوصول إليه؟

وبالتالي، ما الذي يجعلك تظن أنه قد يرغب في الحديث معك؟

 هل تدرك حجم أوهامك؟».

 رددت عليه، ليس تأكيدًا، وإنما فقط دفاعًا عن أفكاري، وإن كانت مستحيلة، وقلت: «لأذكرك، لقد خرجت قبل قليل من الأستوديو، حيث كنت أجري مقابلة، فما المانع؟

 قد تنتشر المقابلة وتصل إليه، عندها، من يعلم ما قد يفعله؟».

رد قائلًا: «يا فتى، لا ترفع سقف توقعاتك، فحتى إن وصلت إليه، فستكون آخر شيء قد يفكر فيه».

أكمل درار كلامه وقال: «نعم، معه كل الحق، أفق من النوم يا رجل، أنت تحلم.

وفي الأخير، مهما أطلت النوم ستستيقظ في النهاية، لذا من الأفضل لك أن تفعل ذلك مبكرًا حتى لا أضطر لسماع نهيق بكائك».

فقلت بكل ثقة وإصرار: «من يعلم ما قد يحدث غدًا، الأقدار بيد الله».

 ثم انصرفت. كنت أتظاهر بالقوة، ولكن في الحقيقة لقد أثر الكلام في داخلي.

 فبصراحة، كان كلامهم أقرب إلى الواقع، فمن أنا حتى يتواصل معي أو أقابله؟

 اتجهت نحو غرفتي، وبدأت أذاكر. مضى الوقت ببطء في غرفتي، وحاولت التركيز في الكتب، بينما كانت كلماتهم تتردد في أذني، إلى أن قاطع تفكيري نداء والدتي للعشاء.

ولكن في النهاية، يبدو أنني حصدت ثمار تلك المقابلة، فقد خففوا عني التنمر، وإن لم أكن مرغوبًا بينهم كالعادة.

ثمار تلك المقابلة لم تقتصر على إخوتي فقط، وإنما اجتاحت أسوار المنزل حتى وصلت إلى أصدقائي، فهم أيضًا بدأوا يظهرون لي بعض الاحترام.

 في الليل تعشينا معًا، ودار بيننا الحديث بشكل طبيعي تقريبًا.

كما أنني لم أعد ذلك الشخص الذي تحلو الجلسة بالسخرية منه عندما يمل الجميع.

ربما لم أنل اعترافهم، وفي الحقيقة لا أحتاج إليه، ولكن في أعماق قلوبهم أحدثت تغييرًا في نظرتهم إليّ، وفي تقديرهم لمدى جديتي وطموحي.

أويت إلى فراشي كالعادة، وأنا لا أعلم ما قد ينتظرني غدًا من المفاجآت في هذه الحياة، غير مدرك أن ما سيحدث غدًا قد يغير حياتي كلها.

 

 بقلم : حسن علي وابري