الذاكرة المؤسسية وكلفة فقدان المعرفة يغادر موظف المؤسسة بعد سنوات من العمل.

يسلّم مكتبه وملفاته وعهدته، وتبدو الأمور مكتملة على الورق.

لكن ما إن تمضي الأيام حتى تبدأ أسئلة لم تكن في قائمة التسليم: لماذا كنا نفعل هذا الإجراء بهذه الطريقة؟

 من يعرف خلفية ذلك القرار؟ وأين المعلومة التي كان الجميع يعود إليه من أجلها؟

عندها تكتشف المؤسسة أن بعض ما غادر لم يكن في الأدراج أصلًا، بل كان في رأس الإنسان.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:كيف تحتفظ المؤسسة بما تعلمته، حتى حين يتغير من يعمل فيها؟

 هناك فرق دقيق بين مؤسسة يعمل فيها أشخاص يعرفون الكثير، ومؤسسة تعرف.

الأولى تستعير المعرفة من أفرادها ما داموا موجودين؛ أما الثانية فتحول جانبًا من خبراتهم إلى قدرة باقية فيها: في إجراءاتها، وتدريبها، وقواعد معلوماتها، وطريقة اتخاذ القرار، وفي زملاء تعلموا ممن سبقوهم.

فالمعرفة لا تصبح أصلًا مؤسسيًا لمجرد أن موظفًا يمتلكها، وإنما حين تستطيع المؤسسة الوصول إليها واستخدامها ونقلها والبناء عليها.

حين تدفع المؤسسة ثمن المعرفة مرتين قد تكون المؤسسة التي تواجه مشكلة للمرة الأولى معذورة؛ فهي تتعلم.

 لكن ماذا عن مؤسسة واجهت المشكلة نفسها من قبل، ودفعت ثمن اكتشاف الحل، ثم نسيت ما تعلمته، فعادت لتدفع ثمن التعلم مرة أخرى؟

هنا يظهر الوجه الاقتصادي للذاكرة المؤسسية.فالنسيان قد يعني إعادة تجربة طريق ثبت فشله، أو تكرار خطأ سبق دفع كلفته، أو اتخاذ قرار دون الاستفادة من خبرة سابقة.

وفي كل مرة يحدث ذلك، لا تخسر المؤسسة وقتًا فحسب؛ بل تخسر جزءًا مما سبق أن أنفقته في سبيل التعلم.

ولهذا ربما تكون المشكلة الأخطر ليست أن المؤسسة لا تعرف، وإنما أن تعرف ثم تنسى.

 وتشير دراسة نُشرت عام 2025، تناولت مشروعات تقنية معلومات في عشرات الوكالات الاتحادية الأمريكية، إلى أن أثر دوران الموظفين لم يكن متساويًا بين المؤسسات؛ فالوكالات التي كانت فيها المسؤوليات أكثر مركزية وإجراءات العمل أكثر توحيدًا استطاعت تخفيف بعض التأخيرات المرتبطة بدوران العاملين، ولا سيما عند خروج ذوي الخبرة والمسؤوليات الإدارية.

ولا يعني ذلك أن الإجراء المكتوب يمكن أن يعوض الإنسان، وإنما أن الخبرة حين تدخل في بنية المؤسسة تصبح أقل عرضة للاختفاء بخروج صاحبها.

الأرشيف مهم... لكنه لا يكفي من هنا تكتسب جهود الرقمنة والأرشفة قيمة تتجاوز تحويل الورق إلى ملفات إلكترونية.

 وفي جيبوتي، تناولت جريدة «القرن» في أغسطس الماضي مشروع رقمنة أرشيف الأمانة العامة للحكومة، بما يعزز حفظ الوثائق، وإمكانية الوصول إليها، وحوكمة المعلومات. لكن حفظ الوثيقة لا يعني دائمًا حفظ المعرفة.

فالوثيقة قد تخبرنا ماذا حدث، لكنها لا تخبرنا بالضرورة لماذا اتُّخذ القرار، وما البدائل التي نوقشت، وما الذي جُرّب ولم ينجح، وما الدرس الذي ينبغي أن ينتقل إلى القرار التالي. الأرشيف يحفظ أثر الماضي؛ أما الذاكرة المؤسسية فتجعل هذا الماضي قابلًا للاستخدام.

 ثم إن بعض المعرفة لا تسكن الوثائق أصلًا. هناك خبرة تتكون ببطء مع الممارسة: موظف يلاحظ خللًا قبل أن يظهر في التقرير، أو يدرك أن حالة ما تستحق الانتباه رغم أن الأوراق تبدو سليمة، أو يعرف من التجربة لماذا ينجح إجراء في موقف ولا ينجح في آخر.

هذه معرفة ضمنية، يصعب اختزالها في دليل إجراءات. ولذلك لا يعني حفظ المعرفة أن يكتب الموظفون كل ما يعرفونه.

 بعض الخبرة ينتقل بالمرافقة، والتدريب، وشرح أسباب القرارات، ومراجعة المشروعات بعد انتهائها: ماذا نجح؟

 ماذا أخفق؟

 ولماذا؟

 ما الذي يجب ألا نسمح للمؤسسة بأن تنساه؟

وفي المقابل، ليست كل معلومة جديرة بالحفظ إلى الأبد.

فإذا حاولت المؤسسة توثيق كل شيء بلا تمييز، فقد تنتهي بآلاف الملفات التي يصبح العثور فيها على المهم مهمة أخرى.

ولهذا فالسؤال الأكثر فائدة ليس: كم وثيقة حفظنا؟

بل:ما المعرفة التي يؤدي فقدها إلى توقف العمل، أو تكرار الخطأ، أو إعادة تعلم مكلفة؟

 ما الإجراءات الحرجة التي ينبغي ألا تعتمد على شخص واحد؟

وما الخبرات النادرة التي ينبغي نقلها قبل أن يغادر أصحابها؟

عند هذه النقطة تتحول إدارة المعرفة من مشروع للأرشفة إلى جزء من بناء القدرة المؤسسية.

فالناس سيغادرون، وتتغير الوظائف، وتنتقل المسؤوليات. والاستمرارية المؤسسية لا تعني ثبات الأشخاص، بل تعني ألا يكون كل تغير في الأشخاص بداية جديدة للمؤسسة. وليست قيمة الموظف الخبير في أن يصبح الشخص الوحيد القادر على حل المشكلة؛ فالقيمة الأكبر أن يترك وراءه شيئًا يزيد قدرة المؤسسة: إجراء أوضح، وزميلًا أكثر خبرة، ودرسًا موثقًا، وطريقة عمل أفضل.

عندها تتحول الخبرة من معرفة فردية إلى رأسمال مؤسسي متراكم. وعندما يغادر أحدهم بعد سنوات، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم سنة عمل معنا؟

 بل:ماذا بقي في المؤسسة من خبرته بعد كل تلك السنوات؟

 فالأشخاص يغادرون، والملفات تُغلق، ويتغير من يجلس خلف المكاتب.

 أما المؤسسة التي تعلمت حقًا، فلا تعود مع كل رحيل إلى الصفر.

 

ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان