الذاكرة المؤسسية وكلفة فقدان المعرفة يغادر موظف المؤسسة بعد سنوات من العمل.
يسلّم مكتبه وملفاته وعهدته، وتبدو الأمور مكتملة على الورق.
من يعرف خلفية ذلك القرار؟ وأين المعلومة التي كان الجميع يعود إليه من أجلها؟
عندها تكتشف المؤسسة أن بعض ما غادر لم يكن في الأدراج أصلًا، بل كان في رأس الإنسان.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:كيف تحتفظ المؤسسة بما تعلمته، حتى حين يتغير من يعمل فيها؟
هناك فرق دقيق بين مؤسسة يعمل فيها أشخاص يعرفون الكثير، ومؤسسة تعرف.
حين تدفع المؤسسة ثمن المعرفة مرتين قد تكون المؤسسة التي تواجه مشكلة للمرة الأولى معذورة؛ فهي تتعلم.
وفي كل مرة يحدث ذلك، لا تخسر المؤسسة وقتًا فحسب؛ بل تخسر جزءًا مما سبق أن أنفقته في سبيل التعلم.
ولهذا ربما تكون المشكلة الأخطر ليست أن المؤسسة لا تعرف، وإنما أن تعرف ثم تنسى.
بعض الخبرة ينتقل بالمرافقة، والتدريب، وشرح أسباب القرارات، ومراجعة المشروعات بعد انتهائها: ماذا نجح؟
ما الذي يجب ألا نسمح للمؤسسة بأن تنساه؟
وفي المقابل، ليست كل معلومة جديرة بالحفظ إلى الأبد.
ولهذا فالسؤال الأكثر فائدة ليس: كم وثيقة حفظنا؟
بل:ما المعرفة التي يؤدي فقدها إلى توقف العمل، أو تكرار الخطأ، أو إعادة تعلم مكلفة؟
ما الإجراءات الحرجة التي ينبغي ألا تعتمد على شخص واحد؟
وما الخبرات النادرة التي ينبغي نقلها قبل أن يغادر أصحابها؟
عند هذه النقطة تتحول إدارة المعرفة من مشروع للأرشفة إلى جزء من بناء القدرة المؤسسية.
بل:ماذا بقي في المؤسسة من خبرته بعد كل تلك السنوات؟
فالأشخاص يغادرون، والملفات تُغلق، ويتغير من يجلس خلف المكاتب.
أما المؤسسة التي تعلمت حقًا، فلا تعود مع كل رحيل إلى الصفر.

