عن التدريب حين يتحول إلى قدرة هناك لحظة جميلة في نهاية كل دورة تدريبية: تُطوى الأوراق، وتُلتقط الصور، وتُسلَّم الشهادات، ويغادر المتدربون القاعة وفي أذهانهم أفكار وأدوات جديدة.

 لكن هناك لحظة أخرى أكثر هدوءًا، لا تظهر عادة في الصور: صباح اليوم التالي.

 يعود المتدرب إلى مكتبه، أو ورشته، أو مدرسته، أو مستشفاه، ويقف أمام اختبار مختلف: هل سيجد ما تعلمه طريقًا إلى العمل؟

 هنا تبدأ القصة الأهم؛ فالقيمة الحقيقية للتدريب لا تنتهي عند آخر شريحة عرض أو شهادة مشاركة، بل ربما تبدأ هناك فقط. بين ما نتعلمه وما نستطيع فعله حين ندرّب موظفًا، فنحن نحاول أن نضيف إلى المؤسسة قدرة جديدة: طريقة أفضل للعمل، أو مهارة أدق، أو معرفة أوسع. ولهذا تتدرج أسئلة نجاح التدريب: هل فهم المتدرب؟

 هل أصبح قادرًا على التطبيق؟

 وهل تغير شيء في العمل نتيجة لذلك؟فقد تنجح الدورة في إيصال المعرفة، لكن تظل مسافة بين أن يعرف الإنسان شيئًا وأن يستطيع فعله باستمرار داخل بيئة العمل.

ولهذه المسافة في دراسات التعلم المهني اسم واضح: نقل أثر التدريب، أو Transfer of Training؛ أي انتقال ما اكتسبه المتدرب إلى العمل الفعلي.

وتناولت مراجعة علمية نُشرت عام 2026 أدوات قياس هذا الانتقال عبر 45 دراسة شملت أكثر من 24 ألف مشارك، وأظهرت تنوع الأدوات المستخدمة لقياس انتقال أثر التدريب والعوامل المرتبطة به.

وهنا يتغير السؤال من: كم شخصًا دربنا؟ إلى: ما الذي أصبحوا قادرين على فعله؟

 تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة مع توسع جيبوتي في التكوين وتنمية المهارات.

ففي مايو 2026 أُطلقت برامج للتكوين المهني ضمن المرحلة الثانية من مشروع التنمية الحضرية المتكاملة لدعم تأهيل الشباب والاستجابة لاحتياجات سوق العمل.

 كما وضعت الخطة الوطنية للتنمية ADEEG 2025–2030 تنمية رأس المال البشري ضمن ركائز التحول الوطني.

ومع هذا التوجه، يبرز سؤال موازٍ: كيف يتحول ما يتعلمه الإنسان إلى قدرة تستخدمها المؤسسات ويشعر بأثرها الاقتصاد والمجتمع؟

فالتحدي التنموي لا يقاس باتساع فرص التعلم وحده، بل بقدرة الدولة والمؤسسات على تحويل ما يتعلمه الإنسان إلى ممارسة متكررة، ومعرفة مشتركة، وقدرة تتراكم بمرور الوقت.

لماذا لا يعبر بعض التدريب باب القاعة؟

 قد يكون المتدرب راغبًا في التطبيق والتدريب مناسبًا، ثم يعود إلى عمله فلا يجد فرصة لاستخدام ما تعلمه، أو يصطدم بإجراء قديم أو بيئة لا تشجع المحاولة.

فانتقال أثر التدريب لا يتوقف على المتدرب وحده؛ بل يتأثر أيضًا بتصميم التدريب، وبيئة العمل، ودعم المشرفين والزملاء.

المؤسسة لا تستثمر في التدريب حين ترسل الموظف إلى القاعة فقط؛ بل حين تستقبله بعد عودته أيضًا.

ويمكن أن يبدأ ذلك قبل التدريب بسؤال: ماذا نريد أن يستطيع المتدرب فعله بعده؟

 فهناك فرق بين طلب «دورة في إدارة الوقت» وتحديد قدرة عملية نريد بناءها وكيف سنعرف أنها أصبحت موجودة.

وأثناء التدريب، تقرّب الممارسة وحل المشكلات الواقعية المسافة بين المعرفة والعمل.

 وبعده يحتاج المتدرب إلى فرصة لاستخدام ما تعلمه.

فقد يعود موظف من دورة على نظام جديد، ثم يواصل العمل بالطريقة القديمة لأنه لم يُمنح حسابًا أو مهمة حقيقية عليه.

ليست الفكرة إضافة نظام بيروقراطي إلى كل دورة، بل منح التعلم فرصة كي يعيش داخل العمل.

وقد تساعد مهمة صغيرة، أو تغذية راجعة من المشرف، أو فرصة واضحة لاستخدام المهارة على تحويل النية إلى ممارسة.

ولا يقف أثر التدريب عند الفرد؛ فحين يتعلم موظف شيئًا جديدًا قد يتحسن أداؤه، لكن المؤسسة تكسب أكثر عندما يتحول جزء من تعلمه إلى معرفة مشتركة: يشاركها مع فريقه، أو يحسن بها إجراءً، أو يحولها إلى دليل عمل.

عندها لا تبقى المعرفة خبرة فردية، بل تصبح جزءًا من ذاكرة المؤسسة وقدرتها.وهنا يصبح التدريب جزءًا من بناء القدرة المؤسسية، لا مجرد تطوير لمهارة فردية.

ويبقى السؤال: كيف نعرف أن شيئًا قد تغير؟ قد يظهر أثر التدريب في مهمة يؤديها الموظف باستقلالية، أو انخفاض خطأ، أو تحسن زمن الإنجاز، أو استخدام فعلي لأداة أو نظام. فاستبيان الرضا يخبرنا عن تجربة التدريب، لكنه لا يخبرنا وحده بما حدث بعد العودة إلى العمل.

ولا يظهر العائد دائمًا في إيراد مالي مباشر؛ فقد يكون في السلامة، أو الجودة، أو تقليل الأخطاء، أو رفع الاستقلالية، خصوصًا في القطاعات الصحية والتعليمية والعامة.

وما بعد باب القاعة؟ إلى جوار سؤال:كم شخصًا درّبنا؟

 يستحق سؤال آخر أن يكون حاضرًا: ما الذي أصبح هؤلاء الأشخاص قادرين على فعله بصورة أفضل؟

 وللشهادة قيمتها؛ فهي توثق رحلة تعلم وتعترف بالجهد.

لكن قيمتها تكتمل حين يكون وراءها شيء يستطيع الإنسان فعله بالفعل.

فباب القاعة ليس نهاية التدريب؛ إنه الحد بين أن نتعلم ما يمكن فعله، وأن نثبت أننا أصبحنا قادرين على فعله.

وعندها لا يعود التدريب حدثًا مرَّ في جدول المؤسسة، بل: قدرةً أضيفت إليها.

 

ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان