الزواج... من أهم احتياجات هذه المرحلة حين نصل بأبنائنا إلى سن التاسعة عشرة والعشرين والحادية والعشرين، قد يتبادر إلى أذهان بعض الآباء والأمهات سؤال مهم: هل انتهت مهمة التربية؟

وهل أصبح الشاب أو الفتاة بعد هذا العمر في غنى عن التوجيه والتقويم؟

 والجواب بكل تأكيد: لا. فالتربية لا ترتبط بمرحلة عمرية معينة، بل تستمر ما دام الإنسان حيًّا؛ فالإنسان يحتاج في كل يوم إلى أن يزداد علمًا، وأن يسمو خلقًا، وأن يترقى في أدبه، وأن يصحح أخطاءه ويستفيد من تجاربه.

ومن ظن أنه بلغ نهاية العلم فقد جهل، ومن اعتقد أن تربيته قد اكتملت فقد حرم نفسه من أبواب كثيرة من الكمال.

وقد عبّر الإمام الشافعي رحمه الله عن هذه الحقيقة بقوله: «كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي، وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي.» ومن هنا أوجه حديثي إلى شبابنا وفتياتنا: لا تجعلوا هذه المرحلة نهاية التعلم، بل اجعلوها بداية النضج الحقيقي.

 واصلوا طلب العلم، وتهذيب الأخلاق، وتنمية المهارات، وبناء الشخصية؛ فالإنسان إما أن يكون في تقدم، وإما أن يكون في تراجع.

وقد قيل: «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان.» ولذلك فإن التربية لا تقف عند سن الحادية والعشرين أو الرابعة والعشرين، وإنما تستمر حتى آخر لحظة من حياة الإنسان.

الزواج... حاجة فطرية ومسؤولية اجتماعية ومن أبرز احتياجات هذه المرحلة الزواج، وهنا قد أخالف ما اعتاد عليه كثير من الناس من تأخير زواج الأبناء والبنات دون مبررات كافية. فكثير من الشباب بلغوا سنًّا تؤهلهم لتحمل المسؤولية، ومع ذلك يؤخر زواجهم، وكثير من الفتيات يتقدم إليهن الأكفاء، ثم تُرفض طلباتهم لأسباب يمكن تجاوزها.

ولا أنكر أن عددًا كبيرًا من الشباب يعجز عن تحمل تكاليف الزواج، كما أن كثيرًا من الفتيات ينتظرن الزوج المناسب فلا يتيسر لهن، لكن الواقع يشهد أيضًا بأن بعض الأسر تمتلك القدرة على إعانة أبنائها أو بناتها، ومع ذلك تتردد في الإقدام على هذه الخطوة. إن الزواج ليس مجرد توفير المال، وإنما هو استعداد لتحمل مسؤولية أسرة جديدة.

 وقد سبق أن أكدنا في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة أن مرحلة العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة من العمر من أهم المراحل لغرس تحمل المسؤولية في الأبناء؛ فمن نشأ على تحمل المسؤولية منذ صغره، واستمر على ذلك، كان أقدر على بناء بيت ناجح عندما يبلغ هذه السن.

 لقد بالغ بعض الناس في تأخير الزواج حتى أصبح ذلك سببًا في مشكلات اجتماعية ونفسية وأخلاقية متعددة، بينما جاء الإسلام بمنهج متوازن؛ فكما شدد في تحريم العلاقات غير المشروعة، فتح أبواب الزواج ويسر أسبابه، لأنه دين يراعي فطرة الإنسان، ويهذبها، ويوجهها إلى الطريق الصحيح.

 وأعلم أن كثيرًا من الأسر قد لا تستطيع تطبيق هذا الأمر بسبب ظروفها الخاصة، ولكنني أضع هذا المبدأ بين أيدي الآباء والأمهات ليكون معيارًا يراجعون به قراراتهم، كما أضعه بين أيدي الشباب والفتيات ليجتهدوا في إعداد أنفسهم وتأمين متطلبات الزواج.

الزواج مسؤولية مشتركة وفي إحدى الدول العربية أظهرت نتائج مشروع «الدعم الاستراتيجي الوطني للشباب»، الصادر عام 2010م، والذي شمل ستة آلاف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين، أن نسبة كبيرة من الشباب ترغب في الزواج، إلا أن مجموعة من الصعوبات تحول دون تحقيق ذلك.

وكان من أبرز هذه الصعوبات: عدم توفر المسكن المناسب، وارتفاع تكاليف الزواج، وضعف فرص العمل أو عدم وجود دخل ثابت.

وهذه النتائج تؤكد أن قضية الزواج ليست مسؤولية الشاب وحده، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والدولة.

فالمجتمع مطالب بتيسير الزواج، والدولة مطالبة بتوفير فرص العمل وتحسين الظروف الاقتصادية، والأسرة مطالبة بدعم أبنائها وعدم المغالاة في متطلبات الزواج، كما أن الشاب مطالب بأن يجتهد في اكتساب العلم والمهارة، وأن يكون أهلًا لتحمل المسؤولية.

وقد تناول الدكتور أحمد محمد المبارك الكندري، في كتابه «علم النفس الأسري»، قضية تحديد سن الزواج، فأشار إلى أن العرب قديمًا كانوا يفضلون الزواج المبكر، في حين أسهمت أنظمة التعليم الحديثة في رفع سن الزواج في كثير من المجتمعات.

كما أوضح أن للزواج المبكر إيجابيات وسلبيات ينبغي مراعاتها؛ فمن سلبياته احتمال عدم اكتمال النضج العقلي أو الانفعالي لدى بعض الشباب، وصعوبة تحمل المسؤوليات الزوجية في بعض الحالات، وربما تأثيره في استمرار الدراسة، ولا سيما بالنسبة للزوجة.

أما من إيجابياته فتقارب الأعمار بين الآباء والأبناء، مما قد يخفف الفجوة الفكرية بين الأجيال، وحماية الشباب من بعض صور الانحراف، وزيادة فرص التوافق بين الزوجين في بعض الحالات بسبب تقارب احتياجاتهما واهتماماتهما.

الإسلام يحث على الزواج وييسر أسبابه ولقد رغب الإسلام في الزواج وحث عليه، ورتب عليه أجورًا عظيمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة.» وقال صلى الله عليه وسلم: «ومن رغب عن سنتي فليس مني.» كما قال مخاطبًا الشباب: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء.» ومن الكلمات الجميلة التي تعبر عن مكانة الأسرة في الإسلام ما قاله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: «إن الزواج وتكوين الأسرة دين، والحفاظ عليها إيمان، ومكافحة ما يهددها جهاد، ورعاية ثمراتها من بنين وبنات جزء من شعائر الله.» إننا جميعًا؛ علماء ومربين وآباء وأمهات وأصحاب مال وأصحاب قرار، مسؤولون عن تيسير الزواج للشباب، ومساعدتهم على بناء أسر مستقرة؛ لأن الأسرة الصالحة هي أساس المجتمع الصالح.

وفي تقديري، فإن الشاب أو الفتاة إذا توافرت لديهم ثلاثة أمور، كانوا أقرب إلى الاستعداد للزواج: أولًا: وجود مسكن، ولو كان متواضعًا.

 ثانيًا: وجود دخل شهري يكفل أساسيات الحياة، ولو كان محدودًا. ثالثًا: الاستفادة من دورة تأهيلية تعينهما على فهم الحياة الزوجية وحقوقها وواجباتها، وكيفية التعامل مع الخلافات والمسؤوليات المشتركة.

 فإذا اجتمعت هذه المقومات، كان الزواج خطوة مباركة نحو بناء أسرة مستقرة، ومجتمع أكثر عفة وتماسكًا. ولعل الجزء الثاني من هذه المرحلة العمرية يكون مخصصًا لبيان أهم واجبات الأسرة والمجتمع والدولة في تيسير زواج الشباب، حتى تكتمل الصورة، ويتضح أن بناء الأسرة مسؤولية مشتركة، لا يتحملها الشباب وحدهم.

 

 بقلم: عبد الرزاق حسن طبر