قتل المبادرة بحجة النظام المبادرات كثيرة في أي مؤسسة، وما في صدور الموظفين من مبادرات أكثر بكثير مما يقولونه، لكن المشكلة تكمن فيمن يستقبل هذه المبادرات.

فأغلب تلك المبادرات تموت في مهدها لأنها لم تجد آذانًا صاغية، وحتى لو وجدت، فقد يقف أمامها ما يسمى بنظام المؤسسة؛ ذلك النظام الذي يتحول أحيانًا إلى صنم معطِّل في المؤسسة، بحيث يقدَّم على المبادرة، حتى لو أدى ذلك إلى قتل التطوير.

قد يكون النظام فعلًا مغلقًا، لا يسمح بالمساس به مهما كانت المبادرات، وقد يكون وسيلة عند المدير لمنع مبادرة معينة، خاصة عندما لا يريدها.

ففي هذه الحالة لا يقول: «لا أريدها»، بل يقول: «النظام لا يسمح»، لأنه يخاف من التغيير، أو يخشى أن يظهر الموظف المبادر أكثر قدرة منه في هذا المجال.

 ليس كل نظام سيئًا، وليس كل مبادرة صالحة للتطبيق. فقد تكون المبادرة بحاجة إلى تعديل، أو دراسة، أو موافقات معينة.

 لكن الفرق كبير بين أن ترفض المبادرة بعد مناقشتها ودراسة آثارها، وبين أن ترفضها قبل أن تسمعها، بحجة أن النظام لا يسمح.

 إن المدير الذي يحترم النظام لا يجعله جدارًا يمنع التطوير، بل يبحث عن الطريقة التي يمكن بها تطوير العمل دون الإخلال بالأنظمة، أو يسعى إلى تعديل النظام إذا أصبح عائقًا أمام المصلحة.

 أما أن يتحول النظام إلى إجابة جاهزة لكل فكرة جديدة، فذلك يعني أن المؤسسة لا تحمي نظامها فحسب، بل تحمي جمودها أيضًا.

والموظف المبادر عندما تقتل مبادرته مرة، ثم ثانية، ففي المرة الثالثة لن يقترح شيئًا.

سيتحول إلى موظف ينفذ فقط، ويؤدي ما يطلب منه دون أن يفكر في تحسينه. 

وهنا تخسر المؤسسة أغلى ما تملك، وتفقد عقول موظفيها، لا لأنهم لا يملكون الأفكار، بل لأنهم تعلموا أن الاحتفاظ بها أكثر أمانًا من طرحها.

والمشكلة أن قتل المبادرة لا يحتاج دائمًا إلى قرار صريح؛ فقد يكفي تأجيلها، أو إحالتها من إدارة إلى أخرى، أو طلب سلسلة طويلة من الموافقات، حتى يفقد صاحبها حماسه، وتصبح الفكرة التي بدأت بحماس مجرد حديث قديم لا يتذكره أحد.

 

بقلم د. عثمان فريد، أستاذ الإدارة بالجامعة