تشتبك الأزمات الاقتصادية مع التحديات البيئية والاجتماعية في العالم، ولم يعد المحرك الأساسي للمؤسسات قائم على تعظيم الأرباح المادية؛ حيث ظهر الاهتمام بالتنمية المجتمعية تحت المسمى «ريادة الأعمال الاجتماعية» كأداة حتمية لإعادة التوازن بين الفقير والغني، وبين اقتصاد استهلاكي، واقتصادٍ مستدام يتطلع إلى صناعة غدٍ أكثر رفاهية.

 إن البحث في الجذور الفكرية للتنمية المستدامة يعيدنا إلى عام 1987، إذ صاغت السيدة (غرو هارلم) رئيسة اللجنة الأمم المتحدة في تقريرها التاريخي الموسوم «مستقبلنا المشترك.. معادلة أخلاقية» لتلبية احتياجات الحاضر دون المساس باحتياجات الأجيال القادمة.

كان ذلك بمثابة إعلان ولادة لجيل جديد من قادة الفكر العملي والعلمي الذين نزلوا إلى الميدان لتوظيف الاقتصاد لخدمة الإنسان. تجربة البروفيسور (محمد يونس) في بنغلاديش، من أبرز التجارب التي غيرت مفهوم التمكين الاقتصادي حيث ابتكر مفهوما جديدا عُرف بـ : «التمويل الأصغر» (Microfinance) عبر تأسيسه لـ «بنك غرامين»، وأثبت للعالم أن الفقراء ومحدودي الدخل قادرون على الإنتاج والالتزام إذا ما أُتيحت لهم الفرصة دون قيود الضمانات البنكية التقليدية المعقدة.

تعد منظمة الرحمة العالمية (لجنة إفريقيا للإغاثة) بجيبوتي نموذجا تطبيقيا، يجسد فلسفة التنمية المستدامة، فنجحت المنظمة -عبر مسيرة امتدت لـ 25 عاماً من العطاء- في تحويل العمل الإغاثي التقليدي (المؤقت) إلى مؤسسة تنموية مستدامة.

 تقف قيادة ميدانية حكيمة خلف هذا التحول الاستراتيجي، الذي أحدث نقلة نوعية في فلسفة العمل الخيري فحولته من منحا إغاثية عابرة إلى مشاريع تنموية شاملة، الحاج عبد الغني القرشي، رائدا في هذا المضمار لتتكامل مع رؤية القيادة الجيبوتية برئاسة فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيلة في تحقيق التنمية الشاملة.

لقد استطاع السيد المدير عبدالغني تحويل النظرة إلى العمل إغاثي؛ لتنتقل «الرحمة» من مفهوم الإغاثة المحدود إلى أفق الاستدامة المتكاملة.

ويظهر هذا الأثر التنموي جلياً من خلال عدد من المحاور أهممها:- أولا، المحور التعليمي، تعمل المؤسسة على تقديم تعليم نوعي وتمكين فني عبر مجمعيْن: -مجمع الرحمة التنموي بالعاصمة جيبوتي والذي افتتحه فخامة الرئيس عام (2007).

 -مجمع أبخ والذي أُفتتح بحضور رسمي بإشراف رئيس الوزراء السيد عبدالقادر كامل محمد عام (2015).

يستفيد من هذه المجمعات التعليمية بشقيه العام والمهني ما يقرب من (1600)، وايضا هناك (10) مراكز ثقافية يستفيد منها (100)، بالإضافة إلى ذلك تقوم بتوفير السكن لـ (600 يتيم) عبر مجمعيْها.

 مما أسهم مساهمة مباشرة تلبية احتياجات سوق العمل الجيبوتي بضخ كفاءات مؤهلة تم تأهيلهم عبر مدرسة صناعية تضم (8 ) تخصصات مهنية، ودعم التعليم العالي بتوفير (176 ) مقعداً جامعياً للمكفولين في تخصصات كالطب والهندسة وريادة الأعمال، محوّلًا الفرد من مستهلك للمعونة إلى عنصر منتج ومستقل اقتصادياً.

ثانيا، المحور الصحي، تقدم المؤسسة الرعاية الصحية للمجتمع من خلال: - مستشفى الرحمة وهو ثمرة التعاون بين لجنة أفريقيا للإغاثة وبين حكومة جمهورية جيبوتي بقيادة رئيس الجمهورية السيد إسماعيل عمر، يُعد شرياناً صحياً حيوياً: يضم ( 150 سريراً) ويستقبل (150 ألف مريض) سنوياً.

-تشغيل مستوصف مجمع أبخ. -تشغيل عيادات مركز الملك سلمان للاجئين اليمنيين في أبخ. - كما تعزز المنظمة العمل في المجال الصحي بتنظيم: ■ القوافل الطبية العامة، (70) قافلة طبية مجانية؛ تجوب الأقاليم الداخلية لتوفر العلاج لـ (35 ) ألف مستفيد وأجرتْ (2000) عملية من العمليات النوعية مجانية.

■ قوافل الشفة الأرنبية، بمعدل (12) قافلة سنوية بمختلف المحافظات الجيبوتي، ليستفيد منها (650) مواطنا. ■ قوافل عمليات العيون، استفاد من هذه القوافل حتى اليوم (6000).

 ثالثا، المحور الاجتماعي، رأتْ المؤسسة أن تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع يتطلب العمل في تنمية الأرياف والقرى بجانب التعليم والصحة، لإيمانها بإن الاستدامة التنموية لن تتحقق إلا بتحقيق استقرار نوعي نسبياً في المناطق البعيدة عن المركز؛ فنفذتْ عددا من المشاريع: -بناء القرى النموذجية والبيوت للأسر المتعففة، وقد أنجزتْ بناء (10) قرى تتكون أغلب هذه القرى النموذجية (100) بيت ومدرسة ومسجد، مستوصف مشغل الخياطة وشبكة للمياه مع خزان، وملعب لكرة القدم، وقد حرصت المؤسسة على أن يشمل إنشاء القرى مختلف الأقاليم الوطنية.

-مشاريع المياه، شملتْ: ■ (12) بئراً ارتوازياً في مختلف المحافظات و(15) بئراً سطحياً سنويّا، لمواجهة شح المياه وتثبيت السكان في مناطقهم. ■ برك المياه، تم تنفيذ (15) بركة في المناطق الريفية التي لا تصلح لحفر الآبار بسبب الطبيعة الصخرية للتربة.

■ برادات المياه، يتم تنفيذ (50) برادة سنويا لتوفير المياه الباردة في المساجد والمدارس والمعسكرات مساهمة منها في تخفيف ما يعانيه المواطن بسبب الطقس شديدة الحرارة.

 -مشاريع الكسب الحلال. بهدف تحويل الأسر الفقيرة إلى منتجة، تستطيع الاعتماد على نفسها في تلبية احتياجاتها اليومية.

 -بناء المساجد، بلغ عدد المساجد (155) مسجدا.

وهنا يبرز السؤال الجوهري والجدلي الذي يجب أن يشغل بال كل مهتم بالشأن التنموي: إذا كانت زيادة الإنتاجية تؤدي بالضرورة إلى زيادة الأرباح والموارد، فكيف نستطيع تحويل هذا العائد لزيادة فاعلية الاستدامة وضمان استمرارية المشاريع وثباتها على المدى الطويل؟

 إن منظمة الرحمة العالمية بجيبوتي، تحت الإدارة الحكيمة للحاج عبد الغني القرشي، تجيب عن هذا التساؤل عملياً عبر اعتمادها نموذج التحول من إدارة العمليات الإغاثية التشغيلية اليومية إلى إدارة المشاريع التنموية الاستراتيجية؛ القائم على التمكين والاستدامة المالية عبر النظم الوقفية التي تشمل المحال التجارية والعمارات السكنية والوحدات الإنتاجية ( ورش النجارة، الألمنيوم، الحداد، والمخبز) لتمويل المنشآت التعليمية والصحية ذاتياً من أجل إعادة الاستثمار في الإنسان والمكان، ولضمان مجانية التعليم والرعاية للأيتام والفئات الأشد احتياجاً.

توُج هذا التميز المؤسسي بحصول المنظمة على 4 شهادات أيزو (ISO 9001:2015) في مجالات التالية:

1.إدارة المكتب

2.الإدارة الصحية

3.الإدارة التعليمية

 4.إدارة المشروعات والبرامج وكما حصلت المنظمة على التزكية من رئاسة الجمهورية وأيضا العديد من الأوسمة الرئاسية الرفيعة.

 تثبت «مؤسسة الرحمة» في جيبوتي أن الإعانات الإغاثية يمكن توظيفها لخدمة الاستراتيجية طويل المدى لتتحول إلى رأسمال مجتمعي مستدام، وقد تتحقق هذا التميز المؤسسي بفضل الله ثم بفضل جهود قيادة حكيمة قادت التحوّل الجذري من الإدارة التشغيلية المعتمد على المساعدات إلى إدارة المشاريع التنموية الاستراتيجية، فتناغمت وتكاملت هذه الاستراتيجية التنموية للرحمة مع الرؤية الوطنية الشاملة لتشكل شريانا تنمويا يخدم المجتمع الجيبوتي في الحاضر والمستقبل.

 

بقلم: أحمد موسى كامل مسؤول قسم الإعلام بجمعية الرحمة العالمية – جيبوتي