البنوك الإسلامية في جيبوتي عندما دخلت البنوك الإسلامية السوق المصرفي في جيبوتي لأول مرة، رأينا جميعًا كيف أقبل الناس عليها أفواجًا، ذلك أن شعوب القرن الإفريقي معروفة بحبها لدينها والمحافظة عليه، حتى وإن كانت غريبة في بلاد الكفر.
فبمجرد سماعهم أن هذه البنوك لا تتعامل بالربا وأنها تعمل وفق الشريعة الإسلامية، بادروا إليها هربًا من الربا وحبًا لدينهم.
ورأينا حينها كيف كانت الزحمة في صفوف تلك البنوك إيداعًا وسحبًا، إلى درجة أن البنوك التقليدية فكرت في فتح نوافذ تكون المعاملات فيها وفق الشريعة الإسلامية، سموها «النافذة الإسلامية»، وبعضها قام بفتح هذه النوافذ فعلًا.
لا أريد مناقشة الفروق بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية، فهذه معروفة في كتب الفقه، ومعروفة عند أهل التخصص، لكن الذي أحب أن أتوقف عنده هو: أين الزحام الذي عودتنا عليه البنوك الإسلامية في بداية أمرها؟
وأين الحماس الذي كان يدفع الناس إليها؟ أليست هذه الظاهرة تستحق الدراسة والبحث، وخاصة عند أصحاب المصلحة في البنوك، وفي مقدمتهم المساهمون والمالكون والمسؤولون عن إدارتها؟
إنني أكتب هذه السطور وأنا سعيد بوجود بنوك إسلامية في بلدنا، بعد أن كنا حينًا من الدهر مجبرين على التعامل بالربا أخذًا وعطاءً رغمًا عنا، مع أن بعض الناس ما زال يتعامل مع البنوك التقليدية إلى اليوم، رغم وجود البديل، وتحت أي ذريعة أو مسمى.
لكن الظاهرة التي لا بد أن تجد لها البنوك الإسلامية حلًا هي ما نسمعه من شكاوى متكررة من بعض المتعاملين معها، سواء من العملاء أو العاملين.
فتجد العميل مشتكيًا في كثير من الأحيان، رافضًا لأسلوب التعامل، إلى درجة الاعتراض ثم الانسحاب وإغلاق حسابه والعودة إلى البنك التقليدي من جديد.
كما تجد العامل مستاءً وفاقدًا للرضا الوظيفي، إلى درجة تراه دائمًا يفكر في البديل، إن لم يقدم استقالته.
وهنا أرى أن على المسؤولين في البنوك الإسلامية أن يتوقفوا قليلًا أمام هذه الملاحظات، لا باعتبارها مجرد شكاوى عابرة، وإنما باعتبارها مؤشرات تستحق الدراسة.
فالعميل الذي يترك البنك لا يخسر البنك أمواله فقط، وإنما يخسر معه فرصة بناء علاقة طويلة الأمد، وربما ينقل تجربته إلى آخرين.
والموظف غير الراضي عن عمله قد لا يستطيع أن يقدم للعميل الخدمة التي تتوقعها المؤسسة منه، مهما كانت اللوائح والأنظمة جيدة.
هناك نقطة مهمة على المسؤولين في البنوك الإسلامية أن ينتبهوا لها، وهي أن المؤسسة عندما تحمل اسم «الإسلام» فإن ذلك يعني للناس شيئًا كبيرًا؛ يعني أنها تتميز في معاملاتها وأخلاقها وسلوكها، وليس فقط في طبيعة منتجاتها المالية.
وهذه في رأيي من أهم الركائز التي تسير بالمؤسسة نحو واقع أفضل، بل يمكن أن تكون من أهم عناصر التسويق بالنسبة لها.
فالقيم والأخلاق والأخوة الإنسانية هي من أهم ما يميز الفكر الإداري الإسلامي والحضارة الإسلامية، وجوهر تلك الأخلاق: التسامح، والرحمة، ومراعاة الجوانب الإنسانية في الإنسان.
وقد أشار تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2003م إلى أن السبب الرئيس لفشل خطط التنمية في إفريقيا يرجع إلى سوء التربية الأخلاقية والدينية للقائمين على إدارة عملية التنمية بها.
والجميع يعرف أن الإسلام انتشر بالمعاملة الحسنة، وليس بمجرد اللوائح والقوانين.
ومشكلة بعض المؤسسات الإسلامية، كغيرها من المؤسسات الأخرى، قد تكمن أحيانًا في تقديم اللوائح والقوانين على النواحي الإنسانية في تعاملها مع الآخر، والتمسك باللوائح وتطبيقها بكل حرفية دون إبداء قدر كافٍ من المرونة.
وهذه مشكلة تحتاج إلى مراجعة، لأن النظام وضع لتنظيم العمل وخدمة الناس، وليس لتحويل الإنسان إلى مجرد رقم أو ملف أو معاملة.
ويتحدث بعض المتعاملين مع البنوك الإسلامية عن أن فترة سداد الالتزامات لديهم أقصر من بعض البنوك التقليدية، وأن تكلفة بعض المنتجات والتمويلات قد تبدو لهم أعلى، كما يشير بعض العملاء إلى أن الشروط المطلوبة عند طلب المرابحة أو غيرها من صيغ الاستثمار قد تكون أكثر تعقيدًا مما يتوقعون.
وقد تكون لهذه الشكاوى أسباب شرعية أو قانونية أو مصرفية، لكن المهم أن تشرح البنوك للعميل هذه الأسباب بوضوح، حتى لا تتحول الفجوة في الفهم إلى عدم رضا وفقدان للثقة. وهنا تظهر أهمية التواصل.
فالعميل لا يريد دائمًا أن يحصل على ما يريد، لكنه يريد أن يفهم لماذا لم يحصل عليه، ولماذا تختلف شروط هذه المعاملة عن غيرها.
والشرح الجيد، والاحترام، وسرعة الاستجابة، وحسن التعامل، قد تجعل العميل أكثر تفهمًا حتى عندما لا يكون القرار في مصلحته.
وأخيرًا، قد تكون شكاوى الزبائن متعددة، وقد يكون بعضها غير معقول، وقد يكون بعضها نتيجة سوء فهم أو توقعات غير واقعية، لكن على البنوك الإسلامية أن تحافظ على هذه الفرصة؛ فرصة حب هذه الشعوب لدينها وثقتها في المعاملات الإسلامية.
وهذه الثقة ليست شيئًا مضمونًا إلى الأبد، بل تحتاج إلى المحافظة عليها يومًا بعد يوم.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط زيادة عدد الفروع أو المنتجات، وإنما القيام بدراسات وبحوث حقيقية حول رضا العملاء والموظفين، ومعرفة أسباب الانسحاب، ودراسة مستوى الخدمة، وشروط التمويل، وسرعة الإجراءات، وطريقة تعامل الموظفين، وكل المظاهر السلبية التي تستجد مرة بعد مرة في سوق عملها.
فالبنك الإسلامي لا ينافس فقط بكونه «إسلاميًا»، وإنما عليه أن يثبت في الواقع أن إسلامية المعاملة يمكن أن تجتمع مع جودة الخدمة، والسرعة، والوضوح، والمرونة، وحسن الخلق.
وإذا نجحت البنوك الإسلامية في الجمع بين هذه الجوانب، فإنها تكون قد حافظت على ثقة الناس، وحافظت في الوقت نفسه على حصتها السوقية، وعلى الفرصة التي أتاحها لها حب هذه الشعوب لدينها ورغبتها في التعامل وفق مبادئه.
بقلم د. عثمان فريد أستاذ الإدارة بالجامعة