أهم ما ينبغي غرسه في شباب هذه المرحلة إذا كانت مرحلة التاسعة عشرة والعشرين والحادية والعشرين تمثل بداية الانطلاق الحقيقي نحو تحمل المسؤوليات الكبرى في الحياة، فإن أعظم ما ينبغي أن نغرسه في نفوس أبنائنا خلال هذه المرحلة هو أن يحملوا رسالة، وأن يعيشوا لأنفسهم ولغيرهم في آن واحد. وأسمى رسالة يمكن أن يحملها الشاب هي الدعوة إلى الله تعالى، بمعناها الشامل الذي يقوم على إصلاح النفس، وخدمة المجتمع، والإسهام في نهضة الأمة، والدلالة على الخير، والدفاع عن القيم والمبادئ. إن الشاب الذي يحمل هم دينه لا يعيش أسير اهتماماته الشخصية، بل يتجاوزها إلى الاهتمام بأمته ومجتمعه وأسرته وأصدقائه، بل وبالإنسانية كلها.
فهو يدرك أنه وارث لرسالة الأنبياء، وأن الله تعالى استخلفه في هذه الأرض ليكون سببًا في نشر الخير، وإشاعة الرحمة، وإقامة العدل، وإصلاح ما استطاع من أحوال الناس.
ومن هنا ينبغي أن نربي أبناءنا على أن يشعروا بمسؤوليتهم تجاه أمتهم، فيسهموا في محاربة الجهل والأمية، ويشاركوا في نشر الأخلاق الفاضلة، ويسعوا إلى دعم النهضة العلمية والاقتصادية، والمحافظة على وحدة المجتمع، والدفاع عن مقدسات الأمة وقضاياها، كلٌّ بحسب قدرته ومجال اختصاصه.
كما يجب أن يحمل الشاب هم أسرته، فيكون بارًا بوالديه، رحيمًا بإخوته، محسنًا إلى أقاربه، وإذا تزوج أقام بيته على المودة والرحمة، وسعى إلى تربية أبنائه على الإيمان والاستقامة، لأن إصلاح الأسرة هو اللبنة الأولى في إصلاح المجتمع.
ولا يقتصر أثره على أسرته، بل يمتد إلى أصدقائه، فيعين المطيع على الطاعة، وينصح المقصر بالحكمة والموعظة الحسنة، ويكون قدوة في أخلاقه وسلوكه، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدال على الخير كفاعله.» إن العالم اليوم يعيش أزمات فكرية وأخلاقية وإنسانية متلاحقة، ويعاني من آثار المادية المفرطة، والصراعات، والأنانية، ولذلك فإن البشرية أحوج ما تكون إلى شباب يحملون رسالة الإسلام السمحة، ويقدمونها للناس بالحكمة، والرحمة، وحسن الخلق، بعيدًا عن الغلو أو التشدد.
ولكي يصبح الشاب مؤهلًا للقيام بهذه الرسالة، فلا بد من إعداده إعدادًا متوازنًا يجمع بين أربعة جوانب رئيسة.
أولها التهيئة النفسية، وذلك بتعريفه بواقع أمته، وما تواجهه من تحديات، مع غرس الثقة في نفسه، وتعميق يقينه بأن الإسلام هو دين الرحمة والهداية، وأنه صالح لكل زمان ومكان، وأن الناس - مهما اختلفت ثقافاتهم - يملكون في داخلهم قابلية للخير إذا وجدوا من يخاطبهم بالحكمة والرفق.
وثانيها التهيئة الإيمانية، وهي الأساس الذي تبنى عليه الشخصية المؤمنة، وذلك بربط الشاب بكتاب الله تعالى، وتعويده على ذكر الله، وتعريفه بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان فضل الدعوة إلى الله تعالى. فقد قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.» وقال أيضًا: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم.» وثالثها التهيئة العلمية، فالدعوة لا تقوم على الحماس وحده، وإنما تحتاج إلى علم صحيح، وفقه، وبصيرة، ومعرفة بأحوال الناس.
ومن أهم ما يحتاج إليه الداعية أربعة أصول عظيمة: العلم، والرفق، والتدرج، والصبر. فلا دعوة بجهل، ولا إصلاح بعنف، ولا نجاح مع الاستعجال، ولا ثمرة بلا صبر.
أما الجانب الرابع فهو التهيئة العملية، وذلك من خلال مرافقة العلماء والدعاة والمربين، والمشاركة في البرامج الدعوية والاجتماعية، والتدرب على الحوار، وإلقاء الكلمات، والمساهمة في المبادرات الخيرية، حتى يكتسب الشاب الخبرة والثقة بالنفس، ويتعلم كيف يبلغ رسالة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.
وعندما تتكامل هذه الجوانب الأربعة، يصبح الشاب قادرًا - بإذن الله - على أداء رسالته، فيبدأ بخطوات عملية تناسب قدراته، فيدعو زملاءه، ويصلح بين الناس، ويشارك في الأعمال التطوعية، ويستثمر علمه ووقته في خدمة دينه ومجتمعه، ثم يراجع أداءه باستمرار؛ ليعالج أخطاءه، ويطور مهاراته، ويزداد نفعه للناس.
أيها الشباب... إن الأمة تعقد عليكم آمالًا كبيرة، فأنتم طاقة الحاضر، وصناع المستقبل، وبصلاحكم تصلح المجتمعات، وبوعيكم ترتقي الأمم، وبأخلاقكم تزدهر الحضارات.
فلا تجعلوا سنوات شبابكم تمر دون أثر، بل اجعلوا منها مرحلة للبناء والعطاء، واحملوا رسالة الخير حيثما كنتم، فإن خير الناس أنفعهم للناس.
ورحم الله الشاعر وليد الأعظم حين خاطب الشباب بقوله: يا شبابَ جيلِ الإسلامِ عودوا فأنتم روحُه وبكم يسودُ وأنتم سرُّ نهضتِهِ قديمًا وأنتم فجرُه الزاهي الجديدُ عليكم بالعقيدة فهي درعٌ به نصون كرامتنا وتزيدُ وختامًا، فإن الدعوة إلى الله ليست مهمة العلماء وحدهم، بل هي مسؤولية كل مسلم ومسلمة، كلٌّ بحسب علمه وقدرته وموقعه.
وإذا نجحنا في غرس هذا المعنى في نفوس شبابنا، فإننا لا نكون قد أعددنا أفرادًا صالحين فحسب، بل نكون قد أسهمنا في بناء أمة قوية، تحمل الخير لنفسها وللعالم أجمع.
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر