استكمالًا لما سبق، وإذا كان النجاح في ظاهره غاية يسعى إليها الإنسان، ووسيلة لتحقيق الطموحات وبناء الحياة، فإن السؤال لا يتعلق بمجرد الوصول إلى النجاح، وإنما بما يحدث للإنسان بعد الوصول إليه.

 فليس كل نجاحٍ نجاحًا حقيقيًا، وليس كل إنجازٍ دليلًا على أن صاحبه يسير في الاتجاه الصحيح؛ إذ قد يحقق الإنسان ما كان يظنه حلم حياته، ثم يكتشف أن هذا الإنجاز نفسه أصبح مصدرًا للقلق، أو سببًا لفقدان التوازن، أو حائلًا بينه وبين نفسه، وأسرته، ومجتمعه، وربه.

 ومن هنا، فإن الحديث عن النجاح لا ينبغي أن يتوقف عند مؤشرات الإنجاز الظاهرة، كالمكانة المهنية، والثراء، والشهرة، وكثرة الشهادات، واتساع العلاقات، وحجم الحضور الاجتماعي؛ لأن هذه كلها قد تكون مظاهر للنجاح، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الإنسان في حياته.

 فالنجاح الحقيقي أوسع من الإنجاز، وأعمق من المكانة، وأبقى من الشهرة؛ لأنه يرتبط بالسؤال عن نوع الإنسان الذي أصبحنا عليه ونحن نحقق ما أردناه. ولهذا، فالإنسان الناجح ليس هو الذي لا يفشل، وإنما هو الذي لا يسمح للفشل أن يسلبه المعنى، ولا يسمح للنجاح أن يسلبه التواضع.

وقد يصبح النجاح عبئًا حين يتحول من وسيلة لتحقيق الرسالة إلى غاية تستنزف الإنسان، وتجعله أسيرًا لما حققه، خائفًا من فقدانه، منشغلًا بالمحافظة على صورته أكثر من انشغاله ببناء حقيقته.

فالنجاح في ذاته ليس عبئًا، وإنما قد يتحول إلى عبء عندما يفقد الإنسان القدرة على إدارته أخلاقيًا ونفسيًا وإنسانيًا. قد يبدأ الإنسان حياته المهنية أو العلمية أو الاجتماعية برغبة صادقة في الإنجاز وخدمة الآخرين، ثم يتغير الأمر تدريجيًا؛ فيصبح النجاح وسيلة لإثبات الذات، وإثبات التفوق، وإسكات الآخرين، وتعويض مشاعر النقص، أو البحث المستمر عن الاعتراف.

وهنا ينتقل الإنسان من سؤال: ماذا أستطيع أن أقدم؟

 إلى سؤال: كيف أجعل الآخرين يعترفون بي؟

 والفرق بين السؤالين كبير، فالأول مرتبط بالرسالة والعطاء، أما الثاني فقد يرتبط بالحاجة إلى الاعتراف والتقدير.

وعندما يصبح الإنسان محتاجًا بصورة دائمة إلى إثبات قيمته من خلال إنجازاته، فإنه قد لا يعود قادرًا على الشعور بقيمته إلا عندما ينجح، ولذلك يصبح أي تعثر تهديدًا لذاته، وأي نقدٍ تهديدًا لصورته، وأي منافسةٍ تهديدًا لمكانته،أما الإنسان المتوازن، فإنه يرى النجاح جزءًا من رسالته، لا المصدر الوحيد لقيمته.

ومن أخطر صور النجاح أن يصبح الإنسان متعلقًا بنظرة الآخرين إليه، فيبدأ بتقييم أعماله من خلال حجم الإعجاب الذي يحصل عليه، وعدد من يمدحونه، ومدى حضور اسمه، وانتشار صورته، ومكانته في أعين الناس، وهنا قد يتحول النجاح إلى نوع من الاستعباد الاجتماعي؛ لأن الإنسان يصبح محتاجًا باستمرار إلى جرعة جديدة من التصفيق حتى يشعر أنه ما زال ناجحًا لكن التصفيق لا يدوم، والاهتمام يتغير، والناس ينتقلون من شخص إلى آخر، وما كان حديث المجتمع اليوم قد يصبح منسيًا غدًا ولهذا، فإن الإنسان الذي يجعل قيمته رهينةً بتقييم الآخرين يعيش في قلق دائم؛ لأنه لا يملك معيارًا ثابتًا يقيس به نفسه، أما حين يكون رضا الله هو المرجع الأعلى، فإن الإنسان يستطيع أن يعمل بإخلاص، وأن ينجح دون غرور، وأن يتواضع دون شعور بالنقص، وأن يتقبل النقد دون أن تنهار صورته عن نفسه قد يصنع الإنسان لنفسه، مع مرور الوقت، صورة اجتماعية معينة مثل الأستاذ المتميز، أو الباحث المعروف، أو المدير الناجح، أو الشخصية المؤثرة، أو الإنسان الذي لا يخطئ، والمشكلة تبدأ عندما يصبح الحفاظ على هذه الصورة أهم من الحفاظ على القيم التي صنعته لذا يرفض الإنسان الاعتراف بخطئه حتى لا تتضرر صورته، أو يستمر في موقف غير صحيح حتى لا يبدو متراجعًا، أو يخفي ضعفه حتى لا يفقد هيبته، أو يتجنب الاعتذار حتى لا يشعر الآخرون بأنه أقل شأنًا وهنا يتحول النجاح من بناء للشخصية إلى سجن لها فالإنسان الذي يحرص على صورته أكثر من قيمه قد يبدو قويًا أمام الناس، لكنه يصبح ضعيفًا أمام الحقيقة، أما الإنسان الناضج، فيدرك أن الاعتراف بالخطأ لا يهدم المكانة، وأن الاعتذار لا ينتقص من الهيبة، وأن مراجعة المواقف ليست ضعفًا، بل علامة على النضج.

ومن السهل أن نسأل الإنسان: ماذا حققت؟

، كم شهادة حصلت عليها؟

، كم منصبًا وصلت إليه؟

 كم كتابًا ألفت؟

، كم من المال جمعت؟،

 كم عدد الأشخاص الذين يعرفونك؟

 لكن السؤال الأصعب والأكثر أهمية هو: من أصبحت بعد كل ذلك؟

 فقد يحصل الإنسان على شهادات كثيرة، لكنه لا يصبح أكثر علمًا وتواضعًا، وقد يصل إلى منصب رفيع، لكنه لا يصبح أكثر عدلًا، وقد يجمع المال، لكنه لا يصبح أكثر سخاءً وقد يكتسب شهرة واسعة، لكنه يفقد خصوصيته وراحته ، وقد ينجح في بناء صورة اجتماعية متميزة، لكنه يهمل بناء نفسه من الداخل ومن هنا، فإن قيمة النجاح لا تقاس فقط بما يضيفه إلى رصيد الإنسان الخارجي، وإنما بما يضيفه إلى شخصيته وأخلاقه ووعيه وعلاقاته ومسؤوليته، فالإنجاز الذي لا يغير الإنسان إلى الأفضل قد يكون إنجازًا ناقصًا مهما بدا عظيمًا في أعين الناس حين يصعد الإنسان في سلم المكانة الاجتماعية والمهنية، لكنه يدفع مقابل ذلك ثمنًا باهظًا من راحته النفسية، حيث يصبح دائم الانشغال، دائم القلق، دائم الاستعداد للدفاع عن موقعه، دائم الخوف من المنافسة، دائم التفكير في المستقبل، حتى يصبح النجا ح نفسه مصدرًا للتوتر وهنا ينبغي أن نسأل: ــــ ما قيمة المكانة إذا فقد الإنسان معها سكينته؟

 ــ وما قيمة الإنجاز إذا أصبح الإنسان عاجزًا عن الاستمتاع بحياته؟

 فالإنسان لا يعيش ليجمع الإنجازات فقط، وإنما يعيش ليمنح حياته معنى، ويبني علاقات سوية، ويؤدي رسالته، ويعبد ربه، ويجد في حياته قدرًا من السكينة والرضا.

 

بقلم: د. محمود محمد عبدي ــ مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني لتكوين التربوي