من البيانات إلى بصيرةٍ تساعد على اتخاذ القرار قد تكون الأرقام أمامنا كلها، ومع ذلك لا نرى الصورة. تقارير وجداول ونِسَب ومؤشرات وقواعد بيانات تتسع عامًا بعد عام.

وفي زمن أصبحت فيه قدرتنا على جمع البيانات أسرع وأوسع، يَسْهُل أن نتصور أن امتلاك أرقام أكثر يعني بالضرورة معرفةً أكثر.

لكن المسافة بين الرقم والقرار مازالت أطول؛ فالمؤسسة لا تصبح أكثر قدرة على الفهم لمجرد أنها تجمع الكثير من البيانات.

تبدأ القيمة حين تعرف المؤسسة ما السؤال الذي تريد الإجابة عنه، وما البيانات التي تحتاج إليها، وكيف تضعها في سياقها، ثم ماذا ستفعل بما ستحصل عليه.

لكن هناك سؤالًا أسبق: هل ما نقيسه هو فعلًا ما نحتاج إلى معرفته؟

فقد تكون البيانات دقيقة، ومع ذلك تظل الصورة ناقصة؛ لأن ما نختار قياسه هو الذييحدد، إلى حد بعيد، ما يصبح مرئيًا أمام المؤسسة وما يبقى خارج مجال رؤيتها.

 السؤال قبل الرقم لنفترض أن مستشفى سجل زيادة في عدد المراجعين خلال شهر.

الرقم مهم، لكنه لا يخبر الإدارة وحده بما ينبغي فعله.

هل الزيادة تتركز في أوقات أو تخصصات محددة؟

هل رافقها ارتفاع في زمن الانتظار؟

 وهل هي موسمية أم بداية اتجاه مستمر؟

فكل مؤشر يكشف شيئًا، ويترك أشياء أخرى خارج الصورة. هنا يبدأ الرقم في الكلام، لا لأنه تغير، بل لأننا عرفنا ماالذي نسأل الرقم عنه.

 وليست قيمة لوحة المؤشرات في كثرة ما تعرضه، بل في قدرتها على توجيه الانتباه إلى ما يستحق السؤال؛ فالقياس الذي لا نعرف لماذا نجريه قد يتحول إلى عبء إداري أكثر منه أداة للفهم.

 من الرقم إلى البصيرة البيانات قيم وملاحظات مسجلة: أعداد مراجعين، وساعات انتظار. ولكننا حين نضعها في سياق تصبح معلومة؛ والبصيرة تبدأ حين تكشف المعلومات نمطًا أو دلالة مرتبطة بما نستطيع التدخل فيه مثل: تركُّز الضغط في ساعات محددة، أو أن موردًا يوشك أن يصبح عنق زجاجة.

 أما القرار فخطوة تالية؛ والبصيرة قد تساعده، لكنها لا تتخذه نيابة عن المؤسسة.ولا تلغي البيانات الخبرة البشرية، بل تساعدها على اختبار نفسها.

فالخبرة تعرف السياق، ولكن الانطباع قد يضلل. وهنا تُسأل البيانات: هل هذا نمط فعلًا، أم حالة عابرة؟

 لكن الوصول إلى البصيرة لا يتوقف على السياق وحده؛ فهو يبدأ أيضًا من جودة ما نقيس.حتى الرقم الصحيح لا يفسر نفسه.

 فإذا ارتفع الإنفاق على خدمة ما عشرين في المئة، فلا يعني ذلك حتمية انخفاض الكفاءة؛ فقد يكون وراءه ارتفاع حجم الخدمة أو زيادة أسعار المدخلات أو توسع مخطط له.

وهناك مستوى أسبق لجودة القياس: فقد نسجل البيانات بصورة صحيحة، ثم نخطئ في اختيار ما ينبغي أن نقيس.

 فهناك فرق بين أن نقيس الشيء بصورة صحيحة، وأن نكون قد اخترنا الشيء الصحيح للقياس.

فإذا اختلف تعريف المؤشر بين الأقسام، أو كانت البيانات ناقصة أو متأخرة، فالبرنامج الأكثر تطورًا سيحلل ما أُعطي له، لا ما كان ينبغي أن يُعطى له.

لذلك، فجودة البيانات مسألة مؤسسية تبدأ من وضوح التعريفات ومسؤوليات التسجيل والمراجعة. 

حين تتحرك المعلومة ولا تكفي جودة البيانات إذا بقيت المعلومة حبيسة المكان الذي جُمعت فيه، أو وصلت بعد فوات وقت التأثير.

 لهذا أصبح التشغيل البيني بين الأنظمة جزءًا من الإدارة الرقمية الحديثة: أن تصل المعلومة المناسبة بطريقة مشروعة وآمنة إلى من يستطيع استخدامها وهي لا تزال ذات قيمة.

ولهذه الفكرة حضور في مسار التحول الرقمي في جيبوتي؛ فالتوجهات الرسمية تتحدث عن رقمنة الإجراءات والخدمات العامة وتعزيز التشغيل البيني بين الأنظمة.

 لكن وجود التقنية يفتح الإمكان، ولا يضمن وحده الأثر؛ فذلك يتوقف أيضًا على جودة البيانات والقدرات البشرية.

 ومع اتساع قدرة الأنظمة على الربط والتحليل، يبرز سؤال جديد تفرضه أدوات الذكاء الاصطناعي، التي تستطيع معالجة بيانات ضخمة واكتشاف أنماط يصعب ملاحظتها يدويًا. وقد أصبح جزءًا من النقاش الرسمي حول التحول الرقمي في جيبوتي.

لكن زيادة القدرة على التحليل لا تعوض ضعف السؤال أو قصور ما اخترنا قياسه. فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجد أنماطًا دقيقة في ملايين السجلات، من دون أن يضمن أن هذه السجلات تمثل الجزء من الواقع الذي نحتاج فعلاًإلى فهمه.

 يبقى السؤال: ماذا نريد أن نعرف؟ ولماذا؟

 وما الذي سيتغير إذا عرفناه؟

وهل كل ما نستطيع فعله بالبيانات ينبغي أن نفعله؟

 فالبيانات الصحية والمالية والشخصية ترتبط بالخصوصية والأمن وصلاحيات الوصول.

وكلما اتسعت القدرة على الربط والتحليل، ازدادت الحاجة إلى حوكمة تحمي البيانات والثقة.ربما لا تكمن المشكلة إذن في أن المؤسسة لا تملك ما يكفي من الأرقام، بل في أنها ترى الواقع من خلال ما اعتادت أن تقيسه.

 فالبيانات لا تصنع القرار وحدها، لكنها تستطيع أن توسع مجال الرؤية إذا أحسنّا اختيار ما نسأل عنه وما نقيسه.

 وعندئذ لا يعود السؤال: كم رقمًا نملك؟

 بل: ما الذي أصبحنا نراه الآن، ولم نكن نراه من قبل؟

 وما الذي ينبغي أن يتغير لأننا رأيناه؟

 

 ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان