لم تعد المشكلة في عصرنا أن يمتلك الإنسان هاتفًا ذكيًّا، ولا أن تتعدد منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تكمن المشكلة في أن تتحول هذه المنصات من أدواتٍ للتواصل إلى أدواتٍ لإعادة تشكيل الوعي، ومن فضاءاتٍ لتبادل المعرفة إلى أسواقٍ للانتباه، ومنابرَ تمنح التأثير أحيانًا لمن يملك القدرة على إثارة الضجيج، لا لمن يملك القدرة على صناعة المعنى.

 وهنا تتضح مفارقةٌ تستحق التأمل: كيف يمكن لصوتٍ فارغ أن يصل إلى آلاف الناس، بينما يحتاج صوت المعرفة والحكمة والمعنى إلى سنوات حتى يجد طريقه إلى الجمهور؟

 وكيف أصبح بعض الناس يمنحون ثقتهم ووقتهم وانتباههم لأشخاص لا يمتلكون مشروعًا معرفيًّا أو قيمةً تربوية، لمجرد أنهم أكثر حضورًا على الشاشة؟

 ويعتمد بعض هؤلاء المؤثرين على حيلٍ وأساليبَ تستهدف جذب انتباه الشباب، لا انطلاقًا من مشروعٍ معرفي أو رسالةٍ تربوية، وإنما بدافع تحقيق المشاهدات والأرباح.

 وقد تتعارض بعض هذه الأساليب مع القيم والأعراف والتقاليد، أو تُقدَّم في صورة قصصٍ وحكاياتٍ تبدو تربويةً في ظاهرها، لكنها فارغة المحتوى وضعيفة القيمة.

والخطر أن تتحول هذه الممارسات، مع التكرار والانتشار، إلى عاداتٍ وأنماطٍ سلوكيةٍ راسخة، تُسهم في تشكيل وعي الجيل الصاعد على نحوٍ قد لا تُحمد عواقبه مستقبلًا.

إنها ليست مسألة أفراد فحسب، بل مسألة اختلالٍ في موازين الوعي.

 فحين يصبح عدد المتابعين معيارًا للحكمة، وعدد المشاهدات دليلًا على القيمة، وحجم التفاعل برهانًا على الصواب، نكون قد انتقلنا من ثقافة المعرفة إلى اقتصاد الانتباه؛ حيث لا يعود السؤال: ماذا تقول؟

وإنما: كم شخصًا استطعت أن تجذب؟

 وهذه النقلة تحمل آثارًا نفسية وعقلية عميقة؛ فالإنسان بطبيعته يميل إلى متابعة ما يثير فضوله وانفعاله، والمنصات الرقمية تعمل، في جانب كبير منها، على إبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة أمام الشاشة.

 ومن ثم قد يحظى المحتوى الصادم، والمثير، والساخر، والمبالغ فيه، بانتشار يفوق المحتوى الهادئ والعميق؛ لأن الأول يستثير الانفعال بسرعة، بينما يحتاج الثاني إلى قدر من التركيز والتأمل.

 وفي الاقتصاد التقليدي كان المنتج يبحث عن المستهلك، أما في اقتصاد المنصات الرقمية فقد أصبح انتباه الإنسان نفسه سلعة ذات قيمة اقتصادية.

 فكلما زاد عدد المشاهدات، ارتفعت فرص الإعلان والرعاية والترويج وتحقيق الدخل.

 ولذلك يجد بعض صانعي المحتوى أنفسهم أمام إغراء مستمر: ماذا أفعل حتى أحصل على مزيد من المشاهدات؟

 وهنا تبدأ المشكلة عندما يصبح الانتشار هدفًا مستقلًا عن القيمة.

 قد ينتج الإنسان محتوى علميًّا لا يشاهده إلا مئات الأشخاص، بينما يستطيع آخر أن يصنع مشهدًا فارغًا، أو احتفالًا مبالغًا فيه، أو جدلًا مفتعلًا، أو استعراضًا لا يحمل مضمونًا، فيجذب عشرات الآلاف.

 عندها يصبح النجاح الرقمي منفصلًا عن النجاح الحقيقي، ويتحول السؤال من: ماذا أنجزنا؟

 إلى: كم عدد الذين شاهدوا ما فعلناه؟

 وهذا التحول خطير؛ لأنه يربط قيمة الإنسان بما يراه الجمهور فيه، لا بما يقدمه هو للناس.

والاحتفال في ذاته ليس مشكلة؛ فالإنسان يحتاج إلى الفرح، ويحتاج المجتمع إلى الاحتفاء بالإنجازات والمناسبات المهمة.

 لكن الاحتفال يفقد قيمته حين يتحول من تعبير عن إنجاز حقيقي إلى صناعة صورة عن الإنجاز.

 وهنا يمكن أن نلاحظ في بعض البيئات الاجتماعية، ومنها بعض مظاهر الحياة العامة في منطقة القرن الإفريقي، انتشار مناسبات واحتفالات تُستهلك رقميًّا أكثر مما تُفهم اجتماعيًّا؛ صور، ومقاطع، وموسيقى، واستعراضات، وعبارات متكررة.

وشاهدُ ذلك في الواقع ما نشاهده يوميًّا لدى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ينتهي كل شيء، دون أن يبقى وراء هذا الضجيج سؤال جوهري: ماذا تغيّر في حياتنا بعد هذا الاحتفال؟

 هل تحقق إنجاز حقيقي؟

هل ارتفع مستوى التعليم؟

 هل تحسن حال المدرسة؟

 هل أُنجز مشروع يخدم الناس؟

هل تغير سلوك المجتمع؟

هل وُلدت فكرة جديدة؟

أم أننا اكتفينا بصناعة مشهد جميل للكاميرا؟

 إن الاحتفال الذي لا يترك أثرًا إلا في ذاكرة الهاتف قد يكون مجرد استهلاك للانتباه، مهما كان بريقه.

وتتفاقم المشكلة حين تصبح الصورة أهم من الحقيقة، والمشهد أهم من الإنجاز، والتفاعل أهم من الأثر.

 فقد يستطيع شخص أن يصنع حول نفسه هالةً من الشهرة من خلال الظهور المستمر، والاحتفالات المتكررة، والمواقف المثيرة، والتعليقات الساخرة، ثم يبدأ الجمهور تدريجيًّا في الخلط بين الشهرة والكفاءة.

 وهذا من أخطر التحولات في الوعي المعاصر؛ فيا شباب اليوم، لا تجعلوا كثرة الظهور معيارًا للقيمة، ولا عدد المتابعين مقياسًا للكفاءة؛ فابنوا لأنفسكم علمًا ينفع، وخلقًا يرفع، وعملًا يبقى، قبل أن تبحثوا عن شهرةٍ قد تلمع لحظةً وتخبو سريعًا.

بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي