أهم المخاطر: وقت الفراغ من أكبر التحديات التي تواجه الشاب في هذه المرحلة العمرية خطرٌ قد لا يلتفت إليه كثير من الناس، وهو وقت الفراغ.
فالفراغ في ذاته ليس مشكلة، وإنما تكمن المشكلة في كيفية استثماره؛ إذ قد يكون سلّمًا يرتقي بالإنسان إلى أعلى درجات النجاح، وقد يتحول إلى باب واسع للانحراف وضياع العمر.
ولو تأملنا واقعنا لوجدنا أن الطالب في المدارس يقضي ما يقارب (167) يومًا في الدراسة خلال العام، بينما يقضي نحو (200) يوم في الإجازات، أي إن أكثر من نصف أيام السنة خارج مقاعد الدراسة.
أما طالب الجامعة فيقضي أيامًا أقل، في حين يعمل الموظف الحكومي قرابة (246) يومًا سنويًا، ويبقى له نحو (120) يومًا من الإجازات، وذلك إذا التزم الجميع بالدوام دون غياب.
ولا يقف الأمر عند عدد الأيام، بل إن الطالب لا يمكث في مدرسته غالبًا أكثر من ست ساعات يوميًا، والموظف نحو ثماني ساعات، لتبقى بقية اليوم تحت تصرف الإنسان.
ومن هنا ندرك أن أعمارنا مليئة بالساعات التي تنتظر منا حسن استثمارها، وأن مستقبل الشباب يتحدد إلى حد كبير بما يصنعونه في تلك الساعات.
ولذلك قال بعض المفكرين إن ساعات الفراغ أشد أثرًا في بناء الإنسان من ساعات العمل، لأن الإنسان في وقت العمل يؤدي ما يفرضه عليه الواجب، أما في وقت الفراغ فإنه يكشف عن شخصيته الحقيقية وميوله وقيمه.
ولهذا نُقل عن سقراط قوله: «إن وقت الفراغ هو أثمن ما نملك.» وقال أحد الأدباء: «أخبرني كيف تقضي وقت فراغك، أخبرك عن أخلاقك.» إن النفس البشرية لا تعرف الفراغ، فإن لم تُشغل بالطاعة والعلم والعمل النافع شغلت صاحبها بما يضره.
وكما أن الشقوق والفراغات في البناء تكون منفذًا للحشرات والآفات، فإن أوقات الفراغ غير المستثمرة تكون منفذًا للانحراف والعادات السيئة والأفكار الهدامة.
ومن أجمل ما كُتب في هذا الباب رسالة الدكتور عثمان أحمد محمد الخليل بعنوان «الشباب وأوقات الفراغ»، حيث يبين أن من أخطر آثار الحضارة المادية الحديثة اتساع دائرة الفراغ نتيجة الاهتمام بالمادة وإشباع الشهوات، مع إهمال الجوانب الإيمانية والقيمية التي تمنح الإنسان معنى لحياته ورسالة يعيش من أجلها.
أما الإسلام فقد نظر إلى العمر نظرة مختلفة؛ فهو رأس مال الإنسان الحقيقي، وأقصر من أن يُهدر في البطالة واللهو. ولذلك قال رسول الله ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.» رواه البخاري.
ومن هنا كان الوقت في الإسلام نعمة ومسؤولية، حتى أقسم الله تعالى في كتابه بأوقات متعددة؛ كالفجر، والضحى، والليل، والعصر، تنبيهًا إلى عظيم مكانتها. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير سورة العصر إن الله أقسم بالزمان الذي تجري فيه أعمال العباد، لما له من عظيم الأثر في سعادتهم أو شقائهم.
إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى جيل يعرف قيمة الدقيقة قبل الساعة، وجيل يدرك أن نهضة الأمم لا تُبنى بالأماني، وإنما تُبنى بحسن استثمار الوقت والطاقات. فكم من ساعات طويلة تضيع كل يوم في اللهو غير النافع، ولو استثمر جزء يسير منها في القراءة، أو التعلم، أو حفظ القرآن، أو اكتساب المهارات، لتغيرت حياة كثير من شبابنا.
وقد أشارت دراسة أجراها عدد من الباحثين في جامعة الملك عبد العزيز إلى أن شريحة كبيرة من الشباب تقضي نحو أربع ساعات فراغ يوميًا، وترتفع هذه المدة إلى أكثر من سبع ساعات في عطلات نهاية الأسبوع، وهي أرقام تستحق الوقوف عندها والتفكير في كيفية توجيهها إلى ما ينفع.
ويضرب التاريخ أروع الأمثلة في حسن استثمار الوقت، ومن ذلك الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله، الذي عُرف بأنه لم يكن يضيع لحظة من عمره إلا في علم أو تعليم أو تأليف.
ويُروى أن بعض تلامذته زاره في مرض موته، فذكر له مسألة علمية، فطلب أدوات الكتابة وسجلها، فقيل له: أفي هذه الحال؟ فقال: «ينبغي للإنسان ألا يدع اقتباس العلم حتى الممات.» ولهذا قال أحد الحكماء: «من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد ظلم نفسه.» كيف تستثمر وقت فراغك؟ لا تجعل وقتك وسيلة لما يضرك في دينك أو دنياك.
احرص على أن يكون لكل ساعة من وقتك أثر يعود عليك أو على أمتك بالنفع. اجعل الترفيه والراحة جزءًا من حياتك، ولكن باعتدال، فهو كالملح في الطعام، لا يستغنى عنه ولا يكثر منه.
ضع لنفسك برنامجًا يوميًا وأسبوعيًا، وخطة شهرية وسنوية، ثم حاسب نفسك على تنفيذها، فإن من حاسب نفسه عرف مواضع التقصير، واستطاع أن يتقدم بثبات. إن العمر رأس مال لا يُعوَّض، وكل يوم يمضي يطوي صفحة من حياتنا لا تعود أبدًا. والسعيد من جعل أوقاته جسورًا توصله إلى رضا الله، وإلى النجاح في دنياه، وإلى خدمة دينه وأمته، حتى يلقى الله وقد ملأ صحيفته بما ينفعه في الدنيا والآخرة.
بقلم : عبد الرزاق حسن طبر