كيف يعظِّم تطوير العمل أثر التحول الرقمي؟ قد تنجح مؤسسة في تحويل طلب ورقي إلى نموذج إلكتروني، ثم تكتشف أن صاحب الطلب ما زال يكتب معلومات تملكها المؤسسة أصلًا، ويرفق وثائق سبق أن قدمها، وينتظر سلسلة الموافقات نفسها.

تغيرت الواجهة فعلًا، وربما أصبح التقديم أسرع، لكن السؤال الأهم يبقى: هل تغيرت الخدمة نفسها؟

 فالتحول الرقمي لا يلتقي بالتقنية وحدها، بل بطريقة إنجاز العمل.

وكل نظام جديد يدخل إلى مسار قائم من طلبات ومراجعات وموافقات ومسؤوليات.

 وقد يسرّع هذا المسار، ويحسن التتبع والحفظ ويقلل العمل اليدوي، وهي مكاسب حقيقية.

لكنه قد يفعل شيئًا آخر أيضًا: أن يمنح بعض التعقيد الإداري حياة أطول داخل نظام أحدث.

لهذا لا يكفي أن نسأل: كيف نجعل الإجراء يعمل إلكترونيًا؟

السؤال الأعمق هو: ما الذي تتيحه التقنية لإعادة التفكير في الإجراء نفسه؟

حين يصبح التعقيد رقميًا تخيل معاملة تمر بخمس موافقات.

النظام الإلكتروني قد ينقلها بينها في دقائق، ويحدد موقعها بدقة، ويمنع ضياعها.

 لكن هذا النجاح لا يجيب عن سؤال آخر: لماذا توجد خمس موافقات أصلًا؟

هل لكل منها وظيفة رقابية مختلفة؟

 هل يفرضها القانون أو مستوى المخاطر؟

أم أن بعضها تراكم مع الزمن؟

وهل تحتاج جميع المعاملات إلى المسار نفسه؟

هنا تنتقل المؤسسة من رقمنة الإجراء إلى التفكير في الإجراء.

والتبسيط المقصود ليس حذف الخطوات كيفما اتفق.

فبعض الإجراءات تحمي الحقوق أو المال أو البيانات، وبعض الفصل بين الصلاحيات ضرورة لا عبء زائد.

البساطة الجيدة هي إزالة ما لا يخدم الغرض، مع الحفاظ على الرقابة والحقوق؛ أي بناء أوضح مسار ممكن، لا أقصر مسار بأي ثمن.

وتزداد أهمية ذلك حين ننظر إلى الخدمة من جهة المستخدم.

فتعقيد الإجراء لا تدفع كلفته المؤسسة وحدها؛ يدفع المواطن أو المستفيد جزءًا منها في صورة وقت وجهد، وإعادة إدخال المعلومات، وتجهيز مستندات متكررة، وعدم يقين بشأن ما سيحدث بعد ذلك.

الرقمنة قد تخفض هذه الكلفة، لكنها قد تنقل جزءًا منها أيضًا إلى المستخدم إذا جعلته مسؤولًا عن فهم نظام معقد أو متابعة مراحل لا يراها.

الشاشة لا تلغي العبء بالضرورة؛ أحيانًا تنقله من مكان إلى آخر.

التقنية تعيد فتح السؤال هل يعني ذلك أن نبسّط أولًا ثم نُرقمن؟

 أحيانًا نعم، خصوصًا عندما يكون التعقيد معروفًا والخطوات الزائدة واضحة.

لكن جعل هذا الترتيب قاعدة ثابتة يختزل العلاقة بين التقنية وتصميم العمل.

فالتقنية نفسها قد تكشف إمكانات لم تكن متاحة من قبل: تبادل البيانات بين الجهات قد يلغي طلب وثيقة تتضمن معلومات موجودة أصلًا لدى جهة أخرى، والتتبع الرقمي قد يكشف مواضع انتظار لم تكن مرئية، والأتمتة قد تتيح فصل الحالات الاعتيادية عن الاستثنائية.

لذلك فالعلاقة الأقوى ليست خطًا مستقيمًا من التبسيط إلى الرقمنة، بل دورة تعلم متبادلة: نفهم الخدمة كما تعمل فعليًا، نزيل العبء غير الضروري، نستخدم ما تتيحه التقنية لتصميم أفضل، ثم نقيس ما تغير ونعود إلى الإجراء مرة أخرى.

فالتحول الرقمي الجيد ليس مشروعًا لترجمة الماضي إلى لغة إلكترونية.

من الإجراء إلى الخدمة ومن هنا يتغير معيار النجاح.

ليس المهم فقط عدد الخدمات التي أصبحت متاحة على الشاشة، بل مقدار ما أصبح أيسر في الوصول إلى الغرض الذي وُجدت الخدمة من أجله.

فقد تنجح كل جهة في رقمنة الجزء الذي يخصها، بينما يبقى المواطن مضطرًا إلى الانتقال بين نوافذ متعددة وإعادة المعلومة نفسها لأن الأنظمة لا تتكامل.

عندها تكون الأجزاء رقمية، لكن الرحلة لم تصبح بعد خدمة واحدة.

 هذه العدسة مهمة لجيبوتي وهي تواصل تحديث الإدارة وبناء الخدمات والمنصات الرقمية.

فالمسار الجيبوتي نفسه جمع بالفعل بين الرقمنة وإعادة هندسة الإجراءات وتبسيط العمليات، وهو ما يجعل السؤال اليوم أكثر تقدمًا: كيف نحافظ على اتصال البنية الرقمية، والإجراء الإداري، وتجربة المستخدم كلما اتسع التحول؟

 وحين يتحسن هذا الاتصال، لا تظهر الفائدة في تجربة المستخدم فقط؛ بل في اقتصاد المؤسسة أيضًا: مراجعات أقل، أخطاء وإعادات أقل، وقت أكبر يخصصه الموظفون للحالات التي تحتاج حكمًا بشريًا فعلًا، وبيانات أوضح تكشف مواضع التعطل بدل أن تخفيها حركة الملفات.

 لا يتعلق الأمر بالحكم على ما مضى، بل بتعظيم أثر ما يُبنى. فكل منصة جديدة لا تقدم قناة أسرع فقط؛ قد تمنح الإدارة فرصة لإعادة فحص ما تطلبه من المواطن، وما تحتفظ به من خطوات، وما يمكن أن تتبادله الجهات، وأين ينبغي أن يبقى القرار البشري، وكيف تصبح الخدمة أوضح للموظف والمستخدم معًا.

وهنا تكمن قيمة التقنية حين تعانق البساطة: لا في أن تفعل الآلة الشيء القديم بسرعة أكبر فحسب، بل في أن تساعد المؤسسة على رؤية العمل نفسه بصورة جديدة.

وفي المسافة بين الإمكان والأثر، قد يكون السؤال الأجدر بأن يبقى حاضرًا: ليس فقط كم خطوة أصبحت رقمية، بل كم خطوة ما زلنا نحتاج إليها أصلًا؟

وما الذي أصبح ممكنًا الآن بعد أن تغيرت أدواتنا؟

 هناك يبدأ الانتقال من رقمنة الإجراء إلى تطوير الخدمة.

 

ياسين الإمام مهتم بالإدارة والاقتصاد والتنمية والإنسان