في يومٍ شتائيٍّ شديد البرودة، كنت أسير في أزقة المدينة، بينما كانت زفرات الهواء البارد تلفح الوجوه. وفجأة، وبينما كنت ألتف حول إحدى الزوايا، هبّت عليَّ رائحة شواء دافئة تنبعث من مطعم كبير وأنيق يلفت الأنظار، لكن صفو المشهد انكسر بصراخ حادٍّ قادم من عند الباب. تتبعت الصوت، فإذا بصاحب المطعم يصرخ بقسوة في وجه رجل مسكين، محاولًا دفعه إلى الخارج، بينما كان ذلك المسكين يرتجف من البرد والجوع، ويقول بصوت خفيض خاشع: «يا أخي، ألا ترحم؟ أنا جائع، لم أذق طعم الطعام منذ ثلاثة أيام، فأطعمني ولو كسرة خبز تسدُّ رمقي». ردَّ صاحب المطعم بحدّة وعصبية: «هذا المكان لبيع الطعام وجمع المال، وليس دارًا للصدقة والتوزيع المجاني!». لم أستطع السيطرة على مشاعري وأنا أرى هذا التباين القاسي بين دفء المطعم ورائحة طعامه الزكية، وبين برودة الشارع وحرمان هذا المسكين. فتدخلت مقتربًا منه، وقلت له بصوت هادئ: «لماذا لا تطعمه؟ إنه مسكين يطلب ما يسدُّ جوعه. ألست إنسانًا؟ وأين عاطفة الرحمة في قلبك؟». التفت إليَّ صاحب المطعم متذمرًا وقال: «أنا تاجر، وهذا مالي وجهدي. لو أطعمت كل من يقف ببابي لضاع مالي، وتراكمت عليَّ الديون!». قلت له محاولًا تذكيره: «يا أخي، إنما نطبّق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما المؤمنون إخوة». هل تظن أن إطعام جائع سينقص من مالك أو يفلسك؟ أَمِن أجل أن الله رزقك قسطًا من المال تمنع السائل الجائع من عباده؟ أنسيت أن الله لا يحب كل بخيل متكبر؟». ردَّ صاحب المطعم مدافعًا عن نفسه: «أنا لا أتكبر، ولكني كافحت لجمع هذا المال، وأنا حرٌّ فيما أملك». فقلت له بيقين وحزم: «وهل تظن أن الله غير قادر على أن يغني هذا المسكين بفضله، ويسلبك ما في يدك؟ بلى والله، ولكن الله يبتلي عباده بعضهم ببعض. ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾؟». فقال غاضبًا: «وكأنني تسوّلتُ الناس حتى بلغتُ ما أنا عليه!». فقلت له مذكّرًا: «تذكّر أنك مخلوق ضعيف، وأن أمرك ورزقك بيد الله، يصرفهما كيف يشاء. ألم تسمع بقارون الذي اغتر بماله، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، فكانت عاقبته أن قال الله تعالى فيه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾؟». صمت صاحب المطعم، ورأيت نبرته تضعف، فتابعت كلامي برفق: «يا أخي، لا تكن سببًا في إساءة الظن بأخلاق المسلمين. فالمؤمنون كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وحتى إن لم تستطع المساعدة، فقل له قولًا جميلًا. لقد أمر الله موسى وهارون أن يلينا القول لفرعون، فقال سبحانه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾، فكيف بأخيك المسلم؟ والكلمة الطيبة صدقة. واعلم أن المال يأتي كالسلحفاة، ويذهب كالأرنب، فلا تغتر به؛ فإن الله مستخلفنا في هذه الدنيا لينظر كيف نعمل». ثم قلت له مذكّرًا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون». تركت صاحب المطعم يتأمل كلامي، ثم التفتُّ إلى الرجل المسكين الذي كان لا يزال يرتجف من شدة البرد. سألته عن حاله ومن أين أتى، وكلمته بالإنجليزية متسائلًا: «هل تتحدث العربية؟». فأجابني بلغة عربية سليمة ونطق مبين: «نعم، وكيف لا أعرفها، وهي لغة القرآن الكريم؟ أنا جئت من بلد مجاور يعاني فيه المسلمون من التضييق والمطاردة، وجميع أهلي هناك غير مسلمين. قرأت عن الإسلام، فدخل حبُّه قلبي، وتعلمت العربية وقرأت القرآن خفيةً عن أعينهم. وحين اكتشف أبي أمري وأنا أقرأ كتاب الله يوم الخميس، غضب مني وطردني من البيت بلا شيء. فقررت السفر إلى بلاد المسلمين لأعبد الله بحرية وسكينة. خضت رحلة شاقة استغرقت أسبوعًا كاملًا، ولما وصلت إلى هذه المدينة، صادفت امرأة غريبة تقطعت بها السبل، وكانت تجلس مع أطفالها وهم يبكون من شدة الجوع، بعد أن تقطعت بهم الأسباب. وعملًا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، لم أتردد في إعطائها كل ما أملك من بقايا نقودي. ولما قادني الجوع إلى هنا، حدث ما رأيت». فقلت له متعجبًا: «ألم يكن بإمكانك أن تأخذ شيئًا من الطعام دون أن يراك أحد، وأنت في شدة من الجوع؟». فابتسم الرجل وقال: «تعلمت في ديني الجديد أن أموال الناس وأعراضهم وحرماتهم مصونة، وأن السرقة لا تصبح حلالًا لمجرد أن الإنسان محتاج. لذلك لم أمد يدي إلى شيء ليس لي، وانتظرت أن يرزقني الله من فضله». ثم تنهد وقال بأسى بالغ: «يا أخي، هل أخطأت حين ظننت أنني سأجد أخلاق الإسلام ظاهرة في كل مكان هنا؟ هل جميع الناس يتعاملون هكذا؟». فقلت له مواسيًا ومطمئنًا: «لا يا أخي، ليس الجميع كذلك، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»». بقلم: حسن علي وابري